فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 483

(الدليل السادس- يعني من القرآن في إثبات الرؤية- قوله عزوجل: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] قال: والاستدلال بهذا أعجب، فإنه من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال أحسن تقرير وألطفه وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه وتعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح به إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، فلا يمدح، وإنما يمدح الرب- تبارك وتعالى- بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًا، كمدحه بنفي السِّنَة والنوم، المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ... ) الخ ما ذكره من أمثلة في هذا الباب إلى أن قال: (ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: {لا تدركه الأبصار} أنه لا يرى بحال، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصِّرْف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض.

فإذًا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، كما كان المعنى في قوله: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} [يونس: 61] أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: {ومامسنا من لغوب} [ق: 49] أنه كامل القدرة.

وفي قوله: {ولا يظلم ربك أحدًا} [الكهف: 49] أنه كامل العدل، وفي قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] أنه كامل القيومية.

فقوله: {لا تدركه الأبصار} يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى: {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا} [الشعراء:61] فلم ينف موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: {إنا لمدركون} إنا لمرئيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت