1ـ سبق أن قرر الخليلي أن الرعيل الأول من السلف الصالح مضى قبل أن يسمع شيئًا في موضوع القول بخلق القرآن (ص 106) ، ثم عاد في الصفحة نفسها فذكر أن هذا الخلاف سببه الغلو، وذلك بمنابذة أهل الحديث ومن سار في ركبهم لأصحاب المدرسة العقلية من المعتزلة وغيرهم واستعداء السلطات عليهم ... إلخ، وأنه عندما دالت الدولة للمعتزلة في أواخر أيام المأمون ثم المعتصم انتهزوا فرصتهم للتشفي والانتقام من أهل الحديث فأسرفوا في القتل والتعذيب.
فامتلأت الصدور بالأحقاد، وأخذت القضية مجرى عاطفيًا في البحث، وأخذ كل فريق يندد بالآخر، ويكيل له التهم ويرميه بالبدعة والانحراف، ثم يقول: (وبما أن أصحابنا أهل الاستقامة لم يشتركوا في شيء من تلك الفتن ولم يتلبسوا بهاتيك الإحن، لم يقعوا تحت تأثير العواطف، فكان بحثهم في القضية موضوعيًا صرفًا، لأنهم انطلقوا فيه من قاعدة الحجة والدليل، لا من واقع السخائم والأحقاد) .
هكذا يدعي أن السلف من أهل الحديث ومن سار على دربهم هم أهل تُهَمٍ وتَشَفٍّ، وليسوا أهل حق في الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم. ... والجواب:
إن هذه الدعوى دعوى زائفة، لا يقوم عليها دليل من واقع التأريخ والأحداث التي وقعت في محنة القول بخلق القرآن، فلم تجرّ إليها العواطف كما يدعي، وإنما كان السلفُ أهلُ الحديث والسنة يردون على المبتدعة باطلهم المتمثل في دعواهم أن صفة من صفات الله مخلوقة، وهذا القول كفر بالله جل وعلا؛ فالله عز وجل بصفاته واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، والقرآن كلام الله وكلامه صفة من صفاته، ودعوى أن القرآن مخلوق ـ لم يتكلم الله عز وجل به ـ هو من قول اليهود وكيدهم، وهو إلحاد في صفات الله تعالى.