قال: ومن ناحية أخرى، فإنه إخبار من الله سبحانه بوصف من أوصافه، وأخبار الله لا تتبدل، لأنها لو تبدلت كان التبديل تكذيبًا له {ومن أصدق من الله قيلًا} ) اهـ.
قلت: فالمؤلف اعتمد في استدلاله بالآية، على أن الإدراك هو الرؤية لا غير، وأن الآية قد نفت ذلك الإدراك الذي فسره بأنه الرؤية بالأبصار، وأن في هذا النفي مدح لله عز وجل فإنه لا يرى، وإذا أثبتت الرؤية زال هذا المدح وانقلب ذمًا، وأنه إخبار من الله عز وجل، والأخبار لا تتبدل، هكذا يقرر وجه الاستدلال.
وفي (ص:69) قال: (وقد رُدَّ على هذا الاستدلال من خمسة أوجه، ذكرها إلى(ص 70) وقال: هذه الاعتراضات كلها مردودة).
وأقول: إليك أيها القارئ الكريم ذكر واحد من هذه الخمسة الأوجه، وبيان رد المؤلف عليه ليظهر تهافت رده، لأنه لم يستند في ذلك على تفسير الصحابة لهذه الآية، وإنما اعتمد على رأيه، وعلى التمويهات، ومنها استدلاله بالأدلة التي وردت عن الصحابة في نفي الرؤية في الدنيا وهو يعممها في الدنيا والآخرة.
قال في (ص: 69) (واعترض على هذه الاستدلال من خمسة أوجه:
أولها- أن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية، وبينهما فرق؛ فإن الإدراك هو الإحاطة بالمُدْرَك ... إلى أن قال وهذا أشهر ما عولوا عليه في دفع هذه الحجة).
وفي (ص: 70) قال: (أما الأول فهو مخالف لما دل عليه الاستعمال العربي لكلمة الإدراك ومشتقاتها، فإنه لا يفهم منه أنه بمعنى الإحاطة فأقوال أساطين العربية المهرة، وشواهدها الصريحة الثابتة دالة على أن الإدراك ليس بمعنى الإحاطة بل لكل منهما معنى مستقل عن الآخر.)
ثم قال: (قال ماتن القاموس وشارحه: «الدرك -محركة- اللحاق، وقد أدركه إذا لحقه، وهو اسم من الإدراك» .
ونص كلام الجوهري في الصحاح: ( «الإدراك اللحوق، يقال مشيت حتى أدركته، وأدركته ببصري رأيته» .