يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك: اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- برأي، وما ألوت عن الحق.
وفيه «قال: فرضي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبيت، حتى قال لي: يا عمر تراني رضيت وتأبى» .
يقول ابن حجر في شرح الحديث: (وقول عمر: «فعملت لذلك أعمالًا» .
المراد به الأعمال الصالحة ليكفّر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء، وقد ورد التصريح بمراده بقوله «أعمالًا» : ففي رواية ابن إسحاق وكان عمر يقول: «ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به» .
وعند الواقدي من حديث ابن عباس، قال عمر: «لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمت دهرًا» [1] .
وفي صحيح البخاري [2] قال سهل بن حنيف: «يا أيها الناس اتهموا رأيكم على الدين؛ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لرددته» .
وأخرج أبو داود في الطهارة عن علي بن أبي طالب قوله: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه» .
إن ما حدث من عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم امتثال أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ابتداءً في هذا الموقف، هو بسبب ما رآه من تلك الشروط التي يمليها المشركون في ذلك الصلح، وهي شروط في ظاهرها إجحاف بالحق، لأن المشركين على
(1) فتح الباري 5/ 346. وفي فتح الباري 13/ 289 جاء قول عمر، كما في رواية سهل.
(2) البخاري مع الفتح كتاب الاعتصام، 13/ 83 ح 8 0 73، وقد جاء في الشرح، قول عمر، أخرجه الطبراني، والطبري، والبيهقي.