ولامانع من أن أواصل مع المؤلف الحديث في معنى آية الأعراف الكريمة، فأقول: حقًا إن سؤال موسى عليه السلام ربه الرؤية لا صلة له بتعنّت بني إسرائيل؛ لأن المقام مقام اصطفاء وتكريم، لا مقام تعنّت وعناد من بني إسرائيل لموسى، كما يلبّس المؤلف؛ بدليل أنه لما أفاق عليه السلام من غشيته حينما تجلّى ربُّه للجبل فجعله دكًا، وخر موسى صعقًا قال: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} فقال الله له بعد ذلك مباشرة: {ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأُريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 144 - 145] .
وهذا ما رواه ابن جرير في تفسير الآية قال: (كان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه، ماحدثني به موسى بن هارون، ثم ساق إسناده إلى السدي قال: إن موسى عليه السلام لما كلّمه ربُّه أحبَّ أن ينظر إليه: {قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ... } الآية) .
ثم ساق بإسناده عن الربيع في قوله: {وقربناه نجيًا} . قال: (حدثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قرّبه الرَّبُ حتى سمع صريف القلم فقال عند ذلك من الشوق إليه: {ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} .
وروى بإسناده عن أبي بكر الهذلي قال: (لما تخلّف موسى عليه السلام بعد الثلاثين حتى سمع كلام الله، اشتاق إلى النظر إليه فقال: {ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني} (وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا .. ) .
وروى عن ابن حميد بإسناده عن أبي إسحاق، قال: (استخلف موسى هارون على بني إسرائيل وقال: إني متعجل إلى ربي، فاخلفني في قومي ولاتتبع سبيل المفسدين ...