فأهل العقول السليمة الباقية على فطرتها، والتي لم تلوثها حثالة الأفكار الدخيلة المنحرفة التي أدخلها أعداء هذا الدين وتبنتها الجهمية والمعتزلة، واحتضنتها الإباضية ممثلة في زعمائها، ترى وتعقل صراحة الآية الكريمة في أن موسى عليه السلام جاء على وعد من ربّه عز وجل، فكلّمه الله عزّ وجلَّ مباشرة دون واسطة المَلَك، وهذه من الخصائص التي خص الله بها نبيه موسى عليه السلام، كما كتب له التوراة بيده، كما ثبت في حديث الصحيحين في محاجة آدم وموسى عليهما السلام.
فلما سمع موسى عليه السلام كلام ربه وهو في مقام التكريم والتشريف والاصطفاء، وأيُّ تكريم أعظم من أن يكلمه ربُّه مشافهة دون واسطة، وعند ذلك طمع موسى عليه السلام في المزيد من هذا الفضل، فسأل ربه بقوله: {ربّ أرني أنظر إليك} ، ولكن الله عز وجل لعلمه بحال خلقه وضعفهم كما قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ، ولحكمته البالغة، وأن مناط الإيمان في الدنيا الإيمان بالغيب، قضى في هذه الدنيا أن لايراه أحد من البشر، لا لأن الرؤية له عز وجل مستحيلة كما يدعي الخليلي الإباضي وسلفه الجهمية، وإنما لضعف بُنْية موسى عليه السلام؛ بدليل أنه تعالى في الوقت نفسه تجلّى لبعض مخلوقاته وهو الجبل الجماد الأعظم بنيةً من موسى، فصار الجبل دكًا، فلم يقوَ ولم يثبت لذلك التجلي، وموسى عليه السلام رأى تلك الآثار التي أحدثها تجلّي الله عز وجل للجبل، فَخَرَّ مغشيًا عليه.
فبين بذلك الحكمة البالغة التي يعلمها من حال خلقه وأنهم في حال ضعفهم في هذه الدنيا لايقوون على الرؤية، قضاء من الله العليم الحكيم، وأن موسى عليه السلام لايقوى على تحمل هذه الرؤية في الحياة الدنيا، ولذا قال له: {لن تراني} يعني في هذه الدنيا.
وأما في الآخرة في دار النعيم في الجنة، فقد دلّت الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي بلغت حدّ التواتر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وهم في الجنة دار النعيم، وفي مقدمتهم الرسل الكرام، وسيأتي ذكر شيء من النصوص في هذا الباب في موضعه.