قال: (فأما «مسألة رؤية الكفار» ، فأول ما انتشر الكلام فيها، وتنازع الناس فيها- فيما بلغنا- بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء، وتكلم فيها آخرون، فاختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها، إذ في الفرق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب السنة) اهـ (ص: 486) .
فأنت ترى أيها القارئ الكريم، أن مثبتي رؤية الله في الدار الآخرة، متفقون على أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة بعد دخولهم الجنة، على ما تواترت به الأحاديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قولًا واحدًا، لا يختلفون في ذلك. بل يوجبون على كل مسلم اعتقاد ذلك، ومن لم يبلغه العلم في ذلك عُرَّف كما يُعَرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.
وأما الخلاف الحادث فهو في «رؤية الكفار ربهم» ، ولم يحدث ذلك إلا بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وهو الذي فيه ثلاثة أقوال، وهي أقوال في هذه المسألة وليست اضطرابًا.
والمؤلف الخليلي الإباضى _المنكر لرؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، المجمع عليها بين سلف الأمة، المطلّع على كلام ابن تيمية هذا- نقل هذه الأقوال في رؤية «الكفار ربهم» إلى رؤية المؤمنين ربهم وسماه اضطرابًا.
وهذا الصنيع يتنافى مع نزاهة البحث العلمي، وأمانة العلماء الصادقين في علمهم. فلماذا يختار هذه الجزئية، ويترك الأمر المتفق عليه عند السلف؟.
وهذه الأقوال الثلاثة التي نقلها عن حادي الأرواح، موجودة في الفتاوى المجلد السادس (ص: 487) الذي نقل منه من (ص: 500 - 501) كما ذكر في كتابه هنا (ص:32) ما حكاه ابن تيمية عن أبي يعلى في مسألة رؤية الكفار، وعده اضطرابًا في رؤية المؤمنين تلبيسًا وتدليسًا، بل كذبًا صريحًا، لا يقدم على فعله مؤمن، فكيف بمن يدعي العلم، ولكنه الهوى يعمي البصائر، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:46] .