على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه زاد المسير، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثير منها الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري في كتابه، واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان، والضحاك، وقتادة وأبي سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا:
أن الاستثناء عائد إلى العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين حين يشفعون في أهل الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله.
كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك، من حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة).
ثم قال في تفسير قوله تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] .
(يقول تعالى: {وأما الذين سعدوا} وهم أتباع الرسل، {ففي الجنة} أي: فمأواهم الجنة، {خالدين فيها} أي: ماكثين مقيمين فيها أبدًا، {ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} .
ثم قال: معنى الاستثناء ها هنا، أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى فله المنّة عليهم، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.
وقال الضحاك، والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار، ثم أخرجوا منها، وعقب ذلك بقوله: {عطاء غير مجذوذ} أي: غير مقطوع، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية وغير واحد، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثم انقطاعًا أو لبسًا أو شيئًا، بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع.