مخالفة دعواه، بل إنه يصرح أن بعض المعاصرين صرحوا بما يوافق قوله في موضع من كتبهم، ثم يأسف عليهم كما يقول لوقوعهم في نفس ما سماه أحبولة اليهود.
أما ابن القيم رحمه الله فهو خصمه اللدود، فإنه يدعي عليه أنه وافق الجهمية في القول بفناء النار، قال ذلك بعد أن ذكر أسطرًا في أول ص 190 ليدخل من ورائها إلى رأيه، فقال بعد الرد على الطائفتين المدعية لفناء النار قال:
(ولعالم الغيب طبائع تكوينية خاصة تختلف كل الاختلاف عن طبائع عالم الشهود، فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر، كما أن للبقاء المطلق أحوالا تميزه عن البقاء المحدود) .
قال: (وإذا أدركت أن الحياة في الدار الآخرة لا تتصرم لأنها حياة مصيرية وليست حياة مرحلية، وحياة جزاء لا حياة كسب، فاعلم أن جزاءها جزاء أبدي، سعادة كان أو شقاء، إذ لا فرق بين ثوابها وعذابها.
ثم قال: وإن ذهبت طوائف من الناس إلى التفرقة بينهما، وفي مقدمة هؤلاء اليهود، الذين حكى الله عنهم هذا القول في سلسلة تعداد مثالبهم، وأنكره عليهم وطالبهم بدليل يستندون إليه فيه، وبين بأصرح عبارة أن الحق خلاف ما يقولون، وذلك حيث يقول: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة / 80ـ81] .
ثم قال: وبهذا تعلم أخي القارئ أن القول بتحول الفجار من العذاب إلى الثواب ما هو إلى أثر من آثار الغزو اليهودي للفكر الإسلامي، قال: وقد تنبّه لذلك العلامة الجليل السيد محمد رشيد رضا، فقال في مقدمة تفسيره لسورة البقرة من المنار (القاعدة السادسة أن الجزاء على الإيمان والعمل معا لأن الدين إيمان وعمل، ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين نبي من الأنبياء أنه ينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء، والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم بدينهم، وما رد به عليهم