عنه، وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ (شيء) من أسمائه، بل دل على نفسه أنه شيء تكذيبًا للدهرية ومنكري الإلهية من الأمم، وسبق في علمه أنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه في الأشياء المخلوقة فقال: {ليس كمثله شيء} فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقة، ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} ، وقال تعالى: { ... أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء} ، فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم أن كلامه صفة من صفات ذاته [1] ، فكل صفة تسمى شيئًا بمعنى أنها موجودة، وحكى ابن بطال أيضًا أن في هذه الآيات والآثار ردًا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء كما صرح به عبدالله الناشيء المتكلم وغيره» [2] اهـ.
فهذا الإمام البخاري يصرح بأن القرآن كلام الله، وأنه صفة من صفات الله بنص كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله سمى نفسه شيئًا في قوله - عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} ، إثباتًا لوجوده وتكذيبًا للدهرية ومنكري الألهية من الأمم، كما قال الإمام الكناني، فهل يستطيع الخليلي أن يصرح بأن قول الله: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} مخلوق. لا أعتقد ذلك، فإن صرح فقوله عين الكفر، لأنه زعم أن الله مخلوق، وإن عجز بطلت حجته بأن القرآن مخلوق لا محيد له عن أحد الأمرين والرجوع إلى الحق خير له وأحسن مآلًا.
6ـ وأما ما جاء في الحديثين اللذين أوردهما الخليلي برقم (5، 6) وهو قوله: روى أحمد ومحمد بن نصر والطبراني بسند صحيح عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا، واستخرجت {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} من تحت العرش فوصلت بها» .
(1) قلت: من صفات ذاته الفعلية الاختيارية فهو يتكلم متى شاء وكيف شاء [وليس على قول الأشاعرة في تعريف الكلام، أنه المعنى النفسي القائم بالذات] .
(2) فتح الباري (13/ 414) .