ولذلك لم يستطع المؤلف أن يدعي أنها صريحة في ذلك، بدليل أنه استدل بتحريفها عن مواضعها، ولذا فهو يركز في بيان وجه استدلاله بها على أمرين:
الأول: القول بقدم القرآن.
الثاني: حدوث القرآن وهو يعني بالحدوث الخلق.
وقد سبق الجواب على الأمرين ولكن نعيده هنا للحاجة إليه فنقول: أما القول (بقدم القرآن) الذي يركز عليه المؤلف في استدلاله بهذه الآيات، فإن أهل السنة والجماعة سلف هذه الأمة ومن تبعهم بإحسان لم يقل أحد منهم (بقدم القرآن) ، ومن الظلم أن ينسب أحد إلى آخر قولًا هو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف، ثم يرد عليه، لا سيما والمنسوب إليه القول ظلمًا هو يرد على ذلك القول المنسوب إليه، وهذا ما يفعله الخليلي هداه الله إلى الحق، فهو ينسب القول (بقدم القرآن) إلى السلف وأتباعهم ويخص ابن تيمية وابن القيم ـ لأنهما شوكة في حلوق المبتدعة قديمًا وحديثًا؛ وقد تكرر الرد عليه، إلا أنه يعيده مرة بعد أخرى؛ لأنه لم يجد حجة إلا ذلك.
وإليك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في نفي ما يدعيه المؤلف على السلف من القول (بقدم القرآن) وبيان من قال به، وقد نقله الخليلي نفسه في كتابه هذا (ص 149) يقول رحمه الله: (( وكما لم يقل أحد من السلف إنه(مخلوق) فلم يقل أحد منهم (إنه قديم) لم يقل واحد من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا مَنْ بعدهم مِن (الأئمة الأربعة) ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله. ولما ظهر من قال: إنه مخلوق قالوا ردًا لكلامه: إنه غير مخلوق [1] ، ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس، فإن أحدًا من المسلمين لم يقل إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما قالوا إنه مخلوق خلقه الله في غيره،
(1) إلى هنا نقل الخليلي النص وأسنده إلى الفتاوى (12/ 301) ، وترك تكملة النص لأنه ينقض دعواه، وهذه طريقة أهل الأهواء قديمًا وحديثًا.