وحيث إن القائلين بخلق القرآن قد توارثوا هذه الشبهة، فإليك ما قاله الإمام المحقق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان معنى (جعل) ودحض شبهة المستدلين بها، فقد تناول معنى (الجعل) في القرآن وهو يتحدث عن مشيئة الله وقدرته وعن القرآن الكريم في المجلد (8/ 27) فقال: (( والصواب هو ما كان موافقًا للشرع مبينًا في العقل، فإن الله سبحانه أخبر أن القرآن منزل منه، وأنه تنزيل منه، وأنه كلامه، وأنه قوله، وأنه كَفَّر من قال إنه قول البشر، وأخبر: أنه قول رسول كريم من الملائكة ورسول كريم من البشر، والرسول يتضمن المُرْسِل فبين أن كلًا من الرسولين بلغه لم يحدث هو منه شيئًا، وأخبر أنه جعله قرآنًا عربيًا، وقال عما ينزل منه جديدًا بعد نزول غيره قديمًا: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} ، وأخبر أن للكلام المعين وقتًا معينًا كما قال تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى} ، وقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} . والذين قالوا إنه(مخلوق) ليس معهم حجة إلا ما يدل على أنه تكلم بمشيئته وقدرته، وهذا حق لكن ضموا إلى ذلك أن ما كان بمشيئته لا يقوم بذاته، فغلطوا ولبسوا الحق بالباطل، فضموا ما نطق به القرآن الموافق للشرع والعقل إلى ما أحدثوه من البدع والشبهات.
وكذلك الذين قالوا: إنه (قديم) ليس معهم إلا ما يدل على أنه قائم بذاته لكن ضموا إلى ذلك أن ما يقوم بذاته لا يكون بمشيئته وقدرته، فأخطؤوا في ذلك ولبسوا الحق بالباطل، وأولئك فسروا قوله تعالى: {إناجعلناه قرآنًا عربيًا} [الزخرف:43] بأنه جعله بائنًا عنه مخلوقًا، وقالوا: (جعل) بمعنى خلق، وهؤلاء قالوا: جعلناه سميناه كما في قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا} [الزخرف:19] ، وهذا إنما يقال فيمن اعتقد في الشيء صفة حقًا أو باطلًا إذا كانت الصفة خفية فيقال: أخبر عنه بكذا، وكون القرآن عربيًا أمر ظاهر لا يحتاج إلى الإخبار، ثم كل من أخبر بأنه عربي فقد جعله عربيًا بهذا الاعتبار، والرب تعالى اختص بجعله عربيًا فإنه هو الذي تكلم به وأنزله، فجعله قرآنًا عربيًا بفعل قام بنفسه وهو تكلم به واختاره لأن يتكلم به عربيًا عن غير ذلك من الألسنة باللسان العربي وأنزله به. ولهذا قال أحمد: (الجعل) من الله قد