فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 483

وقوله عز وجل: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا} [الأعراف 143] ، وقد كان الجبل قبل أن يتجلى له مخلوقًا، فوصل الجعل بدكًا، ولو لم يصله لم يعقل السامع له ما أراد الله بقوله.

وقوله عز وجل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} [البقرة 128] ، فلو لم يصل الكلمة وفصلها لم يعقل أحد ممن سمع ما أراد بدعوتهما، وقد كانا قبل دعوتهما مخلوقين فلما وصلها بمسلمين علم كل من سمع ذلك ما أراد بدعوتهما، ومثل ذلك قول إبراهيم عليه السلام: {رب اجعل هذا البلد آمنًا} [إبراهيم: 35] .

قال: ومثل هذا كثير في القرآن، والذي تتعارفه العرب وتتعامل به في لغاتها وخطابها ومعنى كلامها ومخارج ألفاظها هو الذي جرت به سنة

الله عز وجل في كتابه، إذ كان إنما أنزل بلسانها واكْتُتِبَ على تبيانها، فخاطبهم

الله عز وجل بما عقلوه وعرفوه ولم ينكروه، ولم يكونوا يعرفون سواه وهو القول الموصل والمفصل.

ثم قال: فأرجع أنا وبشر لما اختلفنا فيه من قول الله عز وجل: {إنا جعلناه قرآنًا عربيًا} [الزخرف 3] ، إلى سنة الله في كتابه في الجعلين جميعًا وإلى سنة العرب أيضًا وما تتعارفه وتتعامل به، فإن كان من القول الموصل فهو كما قلت أنا: إن الله جعله قرآنًا عربيًا بأن صيّره عربيًا، أي: أنزله بلغة العرب ولسانها ولم يصيره أعجميًا فينزله بلغة العجم، وإن كان من القول المفصل فهو كما قال ولن يجد ذلك أبدًا.

وإنما دخل الجهل على بشر ومن قال بقوله لأنهم ليسوا من العرب، ولا علم لهم بلغة العرب ومعاني كلامها فتناولوا القرآن على لغة العجم ... )) اهـ [1] .

فهذا ما ادعاه بشر بين يدي المأمون في مناظرته مع الإمام الكناني، وهذا بيان الإمام الكناني تلميذ الإمام الشافعي لمعنى (جعل) في القرآن الكريم.

(1) الحيدة (ص 59 - 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت