معناها، ثم مثّل لذلك فقال: فمن ذلك قول الله عز وجل: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام 1] ، قال: فسواء عند العرب قال: وجعل، أو قال: وخلق، لأنها قد علمت أنه أراد بهذا الجعل الخلق لأنه أنزل من القول المفصل.
وقال عز وجل: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل 72] ، فعقلت العرب عنه أن معنى هذا وخلق لكم إذ كان قولًا مفصلًا. وقال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} [الملك 23] ، فعقلت العرب عنه أنه عنى بهذا الجعل الخلق إذ كان من القول المفصل، وسواء عندها قال: جعل أو خلق؛ لأنها قد علمت ما أراد وما عنى. قال: فهذا وما كان على مثاله من القول المفصل الذي يستغني المخاطب به والسامع له بكل كلمة عما بعدها.
ثم قال: وأما جعل الذي هو بمعنى التصيير الذي هو غير خلق فإن
الله عز وجل أنزله من القول الموصل الذي لا يدري المخاطب به حتى تصل الكلمة بالكلمة التي بعدها فيعلم ما أراد بها، وإن تركها مفصلة لم يصلها بغيرها من الكلام لم يعقل السامع لها ما أراد بها ولم يفهمها ولم يقف على ما عنى بها حتى يصلها بغيرها.
ثم مثّل لذلك فقال: فمن ذلك قول الله عز وجل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ، فلو قال: {إنا جعلناك} ، ولم يصلها بما بعدها لم يعقل داود عليه السلام ولا أحد سمع هذا الخطاب ما أراد الله به، ولا ما عنى بقوله، لأنه خاطبه بهذا القول وهو مخلوق فلما وصلها بـ {خليفة في الأرض} عقل داود وكل من سمع هذا الخطاب ما أراد بقوله وما عنى به. ومثل ذلك قوله تعالى لأم موسى: {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} [القصص 7] ، فلو لم يصل {جاعلوه} بـ {المرسلين} لم تعقل أم موسى ما خاطبها به ولا ما عنى بقوله، إذ كان خلق موسى عليه السلام قد تقدم لرده إليها فلما وصل الكلمة بالمرسلين عقلت أم موسى ما أراد بخطابها.