قبل صنعه، وأن الجاعل غير المجعول، فلما ثبت بينهما التغاير والقبل صح أنهما شيئان وأن الأول المتقدم هو الجاعل القديم، والثاني المجعول هو الحادث الكائن بعد إن لم يكن )) . بعد هذا النص قال في الهامش المرجع السابق.
قلت: وقد سبق في هامش (ص 165) بعد ذكر الحجج العقلية والنقلية حسب دعواه قال في الهامش من الصفحة المذكورة: (هذه الحجج ملخصة ـ مع زيادة وتهذيب من رسالة الإمام محمد بن أفلح بن عبدالوهاب الرستمي رحمه الله تعالى(في خلق القرآن) ... إلخ).
ثم سرد بعد ذلك عددًا من الآيات التي ورد فيها ذكر الجعل مثل قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام 1] ، {وجعل منها زوجها}
[الأعراف 189] ، {وجعل الشمس سراجًا} [نوح 16] ، {وجعلنا الليل والنهار آيتين} ، [الإسراء 12] ، يستدل بها: على أن معنى (جعل) خلق.
ومعلوم أن هذا التلبيس لجأ إليه المؤلف الخليلي عند عجزه عن إيراد نص صريح من كتاب الله يدل على أن القرآن مخلوق، وقد أخذ هذا التلبيس عمن قبله من المعتزلة ومن أخذ بقولهم، لأن الخليلي أخذه عن محمد بن أفلح وهو مأخوذ من تركة مَنْ أدخلوا هذه الأفكار الغريبة والعقائد الفاسدة على المسلمين، ثم راجت على بعضهم فقبلها منهم ظنًا منه أنهم على شيء، لأنهم لبسوا لباس التنزيه لله عز وجل عن مشابهة المخلوقين وكل مسلم عقيدته التنزيه لله عز وجل.
وإليك أيها القارئ الكريم الباحث عن الحق ذكر أوّل من بدأ بهذا التلبيس عند عجزه عن تقديم نص صريح من كتاب الله عز وجل يدل على أن القرآن مخلوق.
إن أول من ادعى أن (جعل) في القرآن الكريم وفي لغة العرب لا تأتي إلا بمعنى (خلق) هو بشر المريسي حينما ناظر الإمام عبدالعزيز الكناني بين يدي المأمون، فأول ما بدأ به قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} ، وبعد أن دحضت حجته في الاستدلال بهذه الآية كما دحضت حجة الخليلي هنا لأنه أخذ ذلك عنه، انتقل للاستدلال بكلمة (جعل) مثل ما عمل الخليلي هنا فهو يتبعه حذو القذة بالقذة.