وقد تكلم بالقرآن كما تكلّم بغيره من الكتب المنزلة، كما قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا} [الكهف 109] ، ولكن كما قال شيخ الإسلام في المقطع الذي تركه الخليلي (فمن فهم قول السلف) ... إلخ. فيظهر والله أعلم أن الخليلي لم يفهم قول السلف، أو أراد أن لايفهم، وهذا هو الأقرب، فهو يرد القول عنادًا بدليل أنه ينقل التصريح عن شيخ الإسلام بأن السلف لم يقولوا بقدم القرآن كما في هذا النص وفي النص الآخر الذي أثبته في هذه الصفحة من كتابه (ص 164) .
فقد نقل من الفتاوى (12/ 301) النص التالي: (وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق، فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحدًا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا مَنْ بعدهم مِن الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله، ولما ظهر من قال: إنه مخلوق قالوا ردًا لكلامه: إنه غير مخلوق) . إلى هنا نقل الخليلي، وترك تكملة النص لأنه لا يريد أن يسجل ما فيه على نفسه في كتابه ليراه أتباعه الذين يضللهم عن الحق. ولهذا فإني أقوم بتكملته للقارئ ليعرف من هو سلف الخليلي الذي هو أول من قال بهذه البدعة المنكرة في كلام الله عز وجل، وقد وجد جزاءه في الدنيا كما ترى ذلك في الحاشية.
وتكملة النص كالتالي: ( ... ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس، فإن أحدًا من المسلمين لم يقل إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما قالوا إنه مخلوق خلقه الله في غيره فرد السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنف في ذلك مصنفات متعددة وقالوا:(منه بدأ وإليه يعود) وأول من عرف أنه قال مخلوق: الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان، وأول من عرف أنه قال هو قديم: عبدالله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول [1] .
(1) فهؤلاء سلف المؤلف الخليلي فأما الجعد بن درهم فقد قتله خالد بن عبدالله القسري يوم عيد الأضحى لهذه البدعة الكفرية التي أصر عليها حيث قال بعد خطبة عيد الأضحى:"أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا ثم نزل فذبحه عند المنبر". البداية والنهاية (9/ 404) ،كما أن الجهم مات مقتولًا سنة (128هـ) .