يفسد دعواه على شيخ الإسلام في قوله: (( ولم يعلق عليهما ابن تيمية إلا بمقتضى تأييدهما ) ).
وأقول: سبق نص كلام حماد بن زيد حيث قال: (( من قال كلام الناس ليس بمخلوق قال: هذا كلام أهل الكفر، وقال معتمر بن سليمان: هذا كفر ) ).
فهو -كما ترى ـ كلام مطلق ولم يكن معينًا لشخص بعينه بحيث قال: إن فلانًا كافر، واقرأ كلام شيخ الإسلام في هذا فقد قال في (ص 487) وهو يتحدث عما أصاب الناس في فهم الألفاظ المطلقة العامة من كلام أئمتهم في مسألة (التكفير) .
فقال: (( وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في لفظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ) ).
ثم ضرب مثالًا واقعًا يبين هذا الأصل العظيم عند أهل السنة وذلك بما عمله الإمام أحمد بن حنبل فقال في (ص 488 - 489) : «يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة، الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه. فإن الإمام أحمد ـ مثلًا ـ قد باشر (الجهمية) الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل .. » إلخ.
ثم قال: (( ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب.