ومعناه عند (حبنكة) - وهو صريح قوله لا لازمه كما تقدم-: أن ذلك الجسم من الحجر أو الشجر هو الذي قال لموسى عليه السلام: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} ؛ لأن موسى عليه السلام- حسب قول حبنكة هذا-لم يسمع ذلك الكلام من وراء حجاب إلا من ذلك الجسم ولهذا أخذ موسى ذلك الوحي.
ولم يبين لنا حبنكة هل موسى عليه السلام عبد ذلك الجسم، أو عَبَدالله الذي كلمه وأمره بعبادته؟ إن هذا من أفسد الاستدلال والتلاعب بكلام الله وتحريفه عن مواضعه.
الوجه الرابع: إن قول الخليلي: (إن هذا تكليم حقيقي من الله له، وأنه سمع من تكليم الله كلامًا مركبًا من الحروف وأنه كان صوتًا) .
أقول: إن هذه التأكيدات كلها تمنع أن يكون الكلام قام بغيره سبحانه وتعالى، لأن المتكلم هو من قام به الكلام حقيقة، وقد قال: إن هذا تكليم حقيقي من الله له. يقول شارح الطحاوية:
(وكيف يصح أن يكون متكلمًا بكلام يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضًا ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق. وإنما قالت الجلود: {أنطقنا الله} [فصلت 21] ولم تقل: نطق الله، بل يلزم أن يكون متكلمًا بكل كلام خلقه في غيره، زورًا كان أو كذبًا، أو كفرًا، أو هذيانًا، تعالى الله عن ذلك، وقد طرد ذلك الاتحادية فقال ابن عربي:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى: بصير، لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره ... ) [1] الخ.
(1) انظر: شرح الطحاوية (ص 172) .