قلت: وهذا قول الخليلي، فإن الإباضية في باب أسماء الله وصفاته معتزلة يقولون بقولهم، وقد سبق ردنا على الخليلي في مسألة نفيه رؤية المؤمنين ربهم في الجنة في الجزء الأول [1] .
ثم ذكر الشارح الأقوال إلى أن قال:
(وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة) .
قلت: فكون صفة الكلام قائمة به تعالى، يتكلم متى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم، وآحاده حادثة، بمعنى أنه يتكلم بها متى شاء، مثل كلامه بالتوراة مع موسى، ومن آحاد كلامه القرآن، وسائر الكتب المنزّلة، فهذا مذهب أهل السنة. وإنما يجعل كل حادث من نوع الكلام الذي يتكلم الله به مما أوحاه الله إلى رسله مخلوقًا، المعتزلةُ والجهميةُ ومن يقول بقولهم ممن لُبسِّ عليهم وتغيرت فطرهم؛ ولهذا يقول شارح الطحاوية رحمه الله: (ولو تُرِك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة، لم يكن بينهم نزاع، ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرّق بها بينهم، {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} ) [البقرة 176] والذي يدل عليه كلام الطحاوي رحمه الله: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم.
قال: (وكذلك ظاهِرُ كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في «الفقه الأكبر [2] » ، فإنه قال: (والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ? منزّل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله في القرآن عن موسى عليه السلام وغيره وعن فرعون وإبليس، فإن ذلك كلام الله إخبار عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى عليه
(1) وقد طبع وحده عن دار الوحدة بالقاهرة سنة (1415هـ) .وهو الآن مطبوع في هذا المجلد الجزء الأول منه.
(2) الطحاوية 1/ 187.