تسعى. قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى [طه17ـ21] إلى آخر القصة- فهو يقول: هذا الذي سمعه موسى عليه السلام من الله عز وجل بهذا الخطاب خلقه الله عز وجل ولم يتكلم به وهو معنى قوله: أحدثه في ذلك الوقت. ولم يقل تكلم به في ذلك الوقت، ونحن الآن نقرأ هذا الكلام الذي أنزله الله على رسوله محمد ? فهو يقول: لا فرق بين سامع الكلام من الله عز وجل كموسى عليه السلام، أو قارئ كلام الله عز وجل، فإن ذلك كله مخلوق.
فهو ينفي أن تكون صفة الكلام قائمة به تعالى، وأنه يتكلم متى شاء وكيف شاء وقد سبق قوله: (أنه لو أثبت لله صفة الكلام فإنه -حسب زعمه- يثبت مع الله قدماء) لأنه حسب زعمه وزعم أسلافه المعتزلة أن الصفة تكون منفصلة عن ذات الموصوف قائمة بنفسها، وهذا تصوّر فاسد، ترده النصوص من الكتاب والسنّة والفطر السليمة، فإن الذات لاتوجد إلا بصفاتها والذات التي تُجرد من جميع الصفات معدومة، لا توجد حتى في الذهن إذ لا يتصور وجود ذات بلا صفات، وقد سبق مناقشته في ذلك تحت عنوان: (( شبهة الخليلي: في أن تعدد الصفات يدل على تعدد الموصوف) .
والخليلي هنا لم يفرّق بين ما يعبر عنه علماء السلف في صفة الكلام، وهو قولهم: إنه قديم النوع حادث الآحاد، أي: أن صفة الكلام قائمة بذات الله تعالى وأنه يتكلم متى شاء وكيف شاء، وأن من آحاد كلامه التوراة، والإنجيل، والقرآن؛ لأن كلام الله لا يحصى ولا ينفد كما قال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان27] .
ولما قال ابن القيم في كتابه «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (2/ 296ـ298) (وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل، قال تعالى: {إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} ) ثم سرد الآيات والأحاديث الدالة على ذلك).