فيقول في (ص 109) :(إن التكلم لغة وعرفًا لا يكون إلا بمعنى إحداث الكلام، فإذا قُلت: تكلم محمد لم يفد قولك هذا إلا أنه أحدث كلامًا في زمن مضى.
وإذا قُلت: يتكلم، لم يفِد قولك إلا أنه أحدث كلامًا في الزمن الحاضر وكذلك صيغة الأمر.
قال: ولا يعني هذا بأي صيغة من صيغه الثلاث الإخبار عن كون الكلام صفة قائمة بذات المتكلم، أو المطلوب منه التكلّم وإلا فما معنى قولك لغيرك تكلّم إن كان الكلام المطلوب قائمًا به، وهل هذا إلا تحصيل حاصل؟)أهـ
وأقول: إن هذا الفهم السقيم هو المشكلة القائمة بذهن المؤلف ومن سبقه من المعتزلة، الذين يترسم خطاهم ويأخذ بعقائدهم الباطلة، والفهم السقيم هنا أن المؤلف لا يفرق بين القادر على الكلام، وبين صاحب الآفة العاجز عن الكلام كالأخرس، وذلك أن السليم من الآفة القادر على الكلام يتكلّم متى شاء وكيف شاء، وأما الأخرس فلا يستطيع الكلامَ لأن صفة الكلام غير قائمة به، فلا يقدر على إحداث الكلام.
فإذا قُلتَ: -كما مثّل المؤلف ـ تكلم محمد، أو يتكلم محمد، أو تكلم يا محمد، وكان المخاطب سليمًا من آفة الخرس، فإن صفة الكلام قائمة به، وما أحدث من كلام في الزمن الماضي أو في الزمن الحاضر أو ما سيحدثه في المستقبل هو من آحاد الصفة القائمة به، وقد أحدث في الماضي والحاضر ما هو قادر عليه، كالقادر على المشي وإن كان جالسًا فإنه يستطيع أن يمشي بخلاف المقعد أو الطفل الرضيع فإنه لا يستطيع المشي، لأن صفة المشي والقدرة عليه غير قائمة به.
أما إذا كان المخاطب أخرس وقلت له: تكلّم، فإنه لا يستطيع أن يحدث الكلام لأن صفة الكلام غير قائمة به، وإذا طلبت منه ذلك فقد طلبت منه المستحيل؛ كما تطلب من الطفل الرضيع أن يركض على رجليه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الرب تعالى: إذا قيل لم يزل متكلمًا إذا شاء، أو لم يزل فاعلًا لما يشاء، لم يكن دوام كونه متكلمًا بمشيئته وقدرته، ودوام كونه فاعلًا بمشيئته وقدرته ممتنعًا، بل هذا هو الواجب؛ لأن الكلام صفة كمال لا نقص فيه، فالرب