في تلك المحنة عدد من علماء أهل السنة وسجنوا وضُرب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ضربًا مبرحًا حتى أغمي عليه.
وقد ثبت أن أول من قال بخلق القرآن الجعد بن درهم نقلًا عن اليهود وإليك سلسلة ذاك الإسناد.
يقول ابن الأثير في كتاب «الكامل» (7/ 75) في الحديث عن التعطيل والتصريح بخلق القرآن: قال: (وقد نشر هذه المقالة ـ يعني التعطيل- وحمل لواءها الجهم ابن صفوان المتوفى سنة(128هـ) مقتولًا، وقد أخذ مقالته في نفي صفات الله تعالى عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ التعطيل عن أبان بن سمعان، وأخذ أبان عن طالوت، وأخذ طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر رسول الله ? وكان لبيد زنديقًا يقول بخلق التوراة) اهـ.
فهذا الإسناد المظلم، المسلسل باليهود هو سند المعطلة الجهمية، ومن يقول بقولهم في نفي صفات الله عز وجل، ومن تلك الصفات صفة الكلام والقول: بأن (القرآن مخلوق) كسائر المخلوقات من الإنس والجن والسموات والأرض وغيرها من مخلوقات الله كما يقول الخليلي، فهذا هو السبب الحقيقي في إثارة الفتن التي ذهب ضحيتها عدد كبير من علماء أهل السنة والجماعة في عهد المأمون والمعتصم والواثق حتى رفعت المحنة عن الأمة على يد المتوكل الذي رفع المحنة بخلق القرآن، وأظهر السنة وأمر بنشر الآثار النبوية [1] .
وقد كان لثبات الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- إمام أهل السنة والجماعة الفضل بعد الله عز وجل الذي ثبّته على الحق في كشف الغمة عن الأمة.
فقد بين أن: القرآن كلام الله، وكلامه صفة من صفاته وبكلامه يخلق الأشياء المخلوقة، كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} .
(1) تأريخ الاسلام / للإمام الذهبي ج1 /ص141.