أي: معناه من لغة العرب معلوم، وأما الكيف فهو مجهول، إذ لا يحيط أحد بذات الله ولا بصفاته علمًا، فدل هذا على أن صفات الله عز وجل قائمة به لاتنفك عنه بحال، ومن دعاه بصفة من صفاته، أو استعاذ بها فإنه داعٍ لله مستعيذ به لا بغيره، كما سبق ذكر قوله ? من رواية مسلم: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» .
ولبيان ذلك قال الإمام الطحاوي رحمه الله في وصف الله عز وجل: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا) .
قال الشارح: (أي أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفًا بصفات الكمال- صفات الذات، وصفات الفعل- ولا يجوز أن يعتقد أن الله وُصِفَ بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها، لأن صفاته -سبحانه- صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده.
قال: ولا يَرِد على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير، والإحياء والإماتة، والقبض والبسط والطيّ، والاستواء والنزول، والغضب والرضا، ونحو ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله? وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا.
ولكن أصلٌ معناه معلوم لنا، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه لما سئل عن قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
قال: وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت كما في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» [1] ،لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن
(1) أخرجه البخاري (ح 3340، 3361، 4712) ، ومسلم (ح 194) ، وأحمد (2/ 435 - 436) .