فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 68

وقال ابن حجر في الفتح: اربعوا: أي ارفقوا، ولا تُجهدوا أنفسكم. قال الطبري: فيه كراهة رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين [1] .

وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه سمع رجلا يرفع صوته بالدعاء فرماه بالحصى [2] .

وروى أيضا أن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أيها الناس إنكم لا تَدعُون أصما ولا غائبا يعني في رفع الصوت بالدعاء.

وروى أيضا عن الحسن قال: كانوا يجتهدون في الدعاء، ولا يُسْمَع إلا همسا.

وعن عبد الله بن نسيب قال: صليت إلى جنب سعيد بن المسيب المغرب، فلما جلست في الركعة الآخرة رفعت صوتي بالدعاء فانتهرني، فلما انصرفت قلت له: ما كرهت مني؟ قال: ظننتَ أن الله ليس بقريب منا؟ [3] .

وكان السلف يكرهون أن يسمع الرجل جليسه شيئا من الدعاء.

قال ابن مفلح: يُكره رفع الصوت بالدعاء مطلقًا. قال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: ينبغي أن يُسرَّ دعائه لقوله تعالى: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا) [الإسراء:110] قال في المستوعب: يُكره رفع الصوت بالدعاء، وينبغي أن يُخفي ذلك لأن الله تعالى قال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) [الأعراف:55] فَأَمَرَ بذلك ... [4] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والسُّنّة في الدّعاء كلِّه المخافتة، إلا أن يكون هناك سبب يُشرع له الجهر [5] .

قال الكمال ابن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهارًا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الردّ، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به فكأنه قال: أعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء - كما يفعله القراء في هذا الزمان - يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدّى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغنّي نسب البتة إلى

(3) - هذه الآثار رواها ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 85) .

(4) - انظر الآداب الشرعية والمِنح المرعية (2/ 187) . وأبو عبد الله هو إمام أهل السنة، الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

(5) - مجموع الفتاوى (22/ 468)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت