بهذا التوجه ·
قال الشيخ محمد علي السايس:"··· وفي التدريس تساوت المذاهب حرمة وتقديرًا في نظر العلماء والطلاب بالأزهر، ولم يعد شيء من ذلك الجفاء الذي كنا نسمع به عمن سبقنا من متأخري الفقهاء" (1) ·
هكذا جاءت المؤلفات المعاصرة في التفسير الفقهي بعيدة عن التعصب غير ملتزمة بمذهب فقهي معين، وقد اقتضت المناهج الجامعية أن ينظر إلى اختلاف المذاهب نظرة علمية تحفظ لكل مذهب حرمته مع الاستفادة من الخلاف في الفقه المقارن ·
ولعل أشهر الكتب المجردة لتفسير آيات الأحكام في العصر الراهن:
-نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لمحمد صديق القنوجي ·
-تفسير آيات الأحكام، أشرف عليه الشيخ السايس ·
-روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي الصابوني ·
كان أبو الطيب القنوجي من أوائل المفسرين المعاصرين الذين اتجهوا لتبسيط علم التفسير وتقريبه من طالبي العلم، فجمع ضمن كتابه"نيل المرام ··"موجزًا للأحكام التي تضمنتها كتب المتقدمين ·
قال عن منهجه وباعثه لجمع كتابه:"وليس القصد إلا ذكر ما يدل على الأحكام دلالة واضحة لتكون عناية طالب الأحكام به أكثر، وإلا فليس يحسن من طالب العلم أن يهمل النظر في جميع كتاب الله تعالى مقدمًا للعناية فيه شاملًا للطائف معانيه، مستنبطًا للأحكام والآداب من ظواهره وخوافيه ·· وها أنا أفسر تلك الآيات المشار إليها بتفسير وجيز جامع لما له وعليه، ولم آخذ فيها من الأقوال المختلفة إلا الأرجح، ومن الدلائل المتنوعة إلا الأصح الأصرح، ولعمري إنه لايوجد قط تفسير موجز بهذا النمط ···" (2) ·
ونيل المرام"للقنوجي لم يؤلف لطلبة الجامعة - كما هو حال جل الكتب المعاصرة المشابهة - لكن الغاية التعليمية لم تكن بمنأى عن جهود المؤلف وتفكيره ·"
كما أن القنوجي لم يلتزم في تفسيره لآيات الأحكام بمذهب معين ترجح عنده، فبالأحرى أن نصادف في مؤلفه أثرًا للتعصب المذهبي، وقد كان رحمه الله كباقي المفسرين الذين خلفوا من بعده متحررًا من المذهبية الفقهية، ودرج في جميع كتابه على منهج واحد يجعل من السنة النبوية المشرفة دعامته الأولى في تفسير آيات الأحكام ·
ففي تفسير قوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا (1) ، تكلم القنوجي عن المراد بالربا لغة واصطلاحًا ثم تكلم عن الربا الذي كان سائدًا في الجاهلية، ثم انتقل إلى تقرير المراد:"··· ومعنى الآية أن الله حرم البيع وحرم نوعًا من أنواعه وهو المشتمل على الربا، والبيع مصدر باع يبيع أي دفع عوضًا وأخذ معوضًا، وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم ذنب الربا منها حديث عبدالله بن مسعود عند الحاكم - وصححه - والبيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم) (2) وورد بهذا المعنى - مع اختلاف العدد عن جمع من الصحابة منهم عبدالله بن سلام"