فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 64

وفي تفسير قوله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبًا (2) ، أدرج ابن العربي في المسألة السابعة كلامًا عن وجوب الثواب في الهبة · قال:

"وإذا كان الرد فرضًا بلاخلاف، فقد استدل علماؤنا على أن هذه الآية دليل على وجوب الثواب في الهبة للعين، وكما يلزمه أن يرد مثل التحية يلزمه أن يرد مثل الهبة" (3) ·

الآية المذكورة في الآداب، أما ما يتعلق بهبة الثواب فيدخل في أبواب المعاملات فهي بعيدة عن المسائل المستفادة من آية التحية ·

والذي استدل بها على ثواب الهبة من علماء المالكية - كما أشار إليه ابن العربي - هو ابن خويز منداد المالكي، وقد علق أبو عبدالله القرطبي على مذهب من حمل الآية على حكم الهبة بقوله:"والصحيح أن التحية ههنا السلام لقوله تعالى: وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله (4) ، وعلى هذا جماعة المفسرين · وإذا ثبت هذا وتقرر، ففقه الآية أن يقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها ورده فريضة ···" (5) ·

وعمومًا تبقى هذه ملامح مجملة لبيان أثر المذهب الفقهي في تفسير آيات الأحكام قديمًا، وقد كان الأئمة في عصر الاجتهاد ثم تلامذتهم منصفين في تفسيرهم الفقهي، وابتداء من القرن الرابع الهجري بدأت معالم التعصب للمذهب تظهر في أعمال المفسرين لكن آثار هذا التعصب تكاد تكون عديمة القيمة إذا ما قورنت بالأداء العلمي لهؤلاء المفسرين ·

إن الدارس لتفسير القدامى لآيات الأحكام حتى في أكثر العصور تعصبًا للمذهب ليشعر بالإجلال تجاه هؤلاء المفسرين ···، لقد كانت كتب"أحكام القرآن"وأبواب الأحكام ومسائلها ضمن أشهر التفاسير التي خلفها علماء التزموا بمذهب معين، كان ذلك شهادة على ما تميز به فقهاء المفسرين من ثاقب النظر ودقة الاستنباط وسرعة البديهة ·

المطلب الرابع

التحرر من المذهبية في التفسير قديمًا

سبقت الإشارة إلى أن التقليد ابتدأ بعد عصر أئمة الاجتهاد، وتحول هذا التقليد إلى تعصب مذهبي في القرن الرابع للهجرة والقرون التالية، غير أنه وجد دائمًا بين علماء المسلمين وفقهائهم وأئمتهم من نزع إلى رفض التقليد والمذهبية، ورأى في التأسي بالصدر الأول من السلف الصالح - قبل ظهور الأئمة المجتهدين - سبيل الفلاح ·

ورأي هؤلاء العلماء والأئمة أن مسائل الأصول لايختلف فيها أحد، أما الفروع فما ليس فيه نص من كتاب أو سنة فهو موكول إلى الاجتهاد بشروطه المعتبرة شرعًا ·

وقد اختلف أئمة الاجتهاد في مسائل الفروع كما اختلف في ذلك الصحابة رضوان الله عليهم قبلهم، ولفهم اختلافهم لابد من الرجوع إلى"أسباب اختلاف الفقهاء"فإن جميع المجتهدين متفقون على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت