يقوله، فإن قاله فهو مخطئ قطعًا (4) ·
واختار أبو عبدالله القرطبي - المالكي - ماذهب إليه أبوحنيفة واستدل عليه، معقبًا على ابن العربي:"قلت: الصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، قال تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم (5) وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان ··" (1) ، وأطال القرطبي في الاحتجاج على مذهب أبي حنيفة، متتبعًا مختلف الروايات عن مالك نفسه وعن أعلام فقهاء المالكية مستفيدًا في ذلك من علم أصول الفقه ·
إزاء الجوانب الإيجابية السابقة، قد يظهر للمذهب الفقهي أثر سلبي في تفسير آيات الأحكام، ويبرز هذا بالخصوص حين يؤدي النقاش الفقهي إلى التشدد في النقد أو استعمال ألفاظ وعبارات تخالف ما يقتضيه المنهج العلمي في استنباط الأحكام ·
وهذا الأثر السلبي يظهر في التفسير كلما سمح المفسر بأن تطغى عليه روح التعصب وتتجسد الآثار السلبية للمذهبية الفقهية في أمور ثلاثة رئيسية:
-التحامل على علماء المذاهب المخالفة والتشنيع عليهم ·
-التكلف في تفسير الآيات التي تخالف المشهور في المذهب ·
-التوسع في مسائل فقهية بعيدة عن الآية ·
1 -الأثر السلبي الراجع إلى التحامل على المذاهب المخالفة: والملاحظ أن هذا الأثر السلبي:
-وجد في طائفة من كتب التفسير الفقهي، ولانكاد نجده في المصنفات التي فسرت جميع آي القرآن: فمجاله لا يتجاوز الكتب المجردة لآيات الأحكام فحسب ·
-كما أن هذا الأثر لم تعرفه كتب التفسير الفقهي نفسها إلا ابتداء من القرن الرابع الهجري لما طغى التعصب الأعمى ·
وقد وجد هذا التحامل نتيجة للتعصب المذهبي، فكان متعصبة فقهاء المفسرين يرون أن كل ما خالف مذهبهم باطل، وأن نصرة المذهب وتأييده يقتضيان الاستدلال على فروعه ولو أدى بهم ذلك إلى الشطط أو النيل من أئمة أعلام ·
قال الشيخ السايس في ذلك:"·· تتبعوا مواضع الخلاف، وصنفوا فيها كتبًا يذكرون فيها المسائل التي اختلف فيها الأئمة، ويسوقون دليل كل مذهب، ويرجحون على كل حال مذهب الإمام الذي ينتسبون إليه · ويتحيلون لذلك، وربما ركبوا له متن التعسف والشطط، وجرهم ذلك إلى أن يقرروا أحكاما تنبو عنها قواعد الأئمة" (1) ·
ولعل أشهر مفسري الفقهاء الذين أدى بهم التعصب المذهبي إلى التحامل على مخالفيهم: أبو بكر الجصاص وقد تحامل على جميع مخالفي الأحناف، ولو كان المخالف أحد أئمة الاجتهاد (2) ·
وأبو الحسن الطبري الكيا الهراسي الذي يدل كتابه"أحكام القرآن"من مقدمته على تعصبه للشافعي، لكن الكيا الهراسي - خلافًا لسابقه - لم يتحامل إلا على الجصاص لكلامه في