الأول من التابعين (2) ·
أما الإمام فخر الدين الرازي فرغم حرصه على ترجيح مذهبه الفقهي، فلم يتردد في عرض بقية المذاهب ·
فعندما وقف على قوله تعالى: ولتكبروا الله على ماهداكم من آية الصيام، أورد رأي الشافعي في إشهار التكبير في العيدين ثم آراء الأئمة الذين وافقوه وعرض مذهب المخالف ثم احتج مرجحًا قول الشافعي (3) ·
ومما لا شك فيه أن كتب التفسير الفقهي ومصنفات التفسير عامة جمعت ثروة فقهية جعلت منها تآليف مبسوطة في الخلاف أو الفقه المقارن، ومهما بلغ تعصب بعض مؤلفيها فلا غنى عنها لدارس التفسير ·
وهذه الخاصية امتازت بها المصنفات المجردة لتفسير آيات الأحكام خاصة، فكثيرًا ما نجد فقهاء المفسرين يفرعون انطلاقًا من الحكم الذي تدل عليه الآية أحكامًا جزئية، وقد يكون دافعهم إلى ذلك:
مجرد الاستنباط الفقهي وبيان التكليف · أو الحرص على الاستدلال لمختلف فتاوى المذهب ·
وتضمنت كتب"أحكام القرآن"التي صنفها علماء تولوا منصب القضاء في عصرهم دررًا تشهد على عمق استنباطاتهم، وكثيرًا ما تكون الأحكام الجزئية خادمة للمشهور في تفسير الآية عند مجتهدي المذهب الذي يأخذ به المفسر · ففي تفسير آية الحرابة من سورة المائدة (1) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض···· ذهب الجمهور وأبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أن"أو"في الآية للتنويع، أي أن العقوبة الزجرية تتفاوت ما بين الصلب والقتل والقطع والتغريب على حسب عقوبة المحارب (2) ·
وذهب مالك بن أنس إلى أن"أو"للتخيير، أي أن الإمام حين يقضي مخير في المحاربين يجري عليهم أي هذه العقوبات على حسب طغيانهم وسعيهم في الفساد، وعلى حسب حال العصر ·
قال مالك في تحقيق المحاربة:"··· المحارب الذي يقطع السبيل وينفر الناس في كل مكان، ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدًا، إذا ظهر عليه يقتل، وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي" (3) ·
وانطلاقًا من هذا التحقيق قضى ابن العربي المعافري في نازلة اختطاف امرأة مغالبة على نفسها من زوجها على أنها حرابة، فعقوبة المحارب شرعها الله لحفظ المال والنفس كما في الآية، وحفظ العرض أهم من المال لذلك كانت صيانته أولى، فحكم ابن العربي على أخذ المرأة مغالبة بحكم الحرابة ·
قال في أحكام القرآن:"قال القاضي رضي الله عنه، ولقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع"