فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 64

باب: من قال لانكاح إلا بولي، وفي كتاب الطلاق باب (وبعولتهن أحق بردهن) في العدة ·

ومن أمثلة هذا التكلف في التفسير ما وقع للجصاص حين عرض"لشهادة القاذف"في تفسيره لسورة النور ·

فجمهور الأئمة- باستثناء أبي حنيفة - ذهبوا إلى أن توبة القاذف بعد الحد تسقط عنه العقوبة التبعية التي هي رد الشهادة كما تفيد ذلك الآية: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون (2) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (3) ·

فالاستثناء يعود إلى التفسيق ورد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ودرج المالكية على القول بأن رد الشهادة إنما هو من علة الفسق، فإذا زال بالتوبة زال رد الشهادة (4) ·

وخالف الإمام أبو حنيفة الجمهور، معتبرًا أن التوبة لاتزيل إلا التفسيق، وأن المحدود في قذف ترد شهادته مطلقًا إلى أن يموت · واستند الجمهور في الاحتجاج إلى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي بكرة نفيع الثقفي"تب أقبل شهادتك" (5) ·

واعتبارًا للمشهور عند الأحناف، حرص الجصاص على الاستدلال لمذهبه، فلما واجهته الرواية عن عمر رضي الله عنه تكلم في رجالها مرة، وأول متنها مرة أخرى، قال في"أحكام القرآن":

"·· وروي عن عمر بن الخطاب من وجه مطعون فيه أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك وذلك أنه رواه ابن عيينه عن الزهري قال سفيان عن سعيد بن المسيب ثم شك، وقال هو عمر بن قيس إن عمر قال لأبي بكرة ··، فشك سفيان بن عيينة في سعيد بن المسيب وعمر بن قيس، ويقال إن عمر بن قيس مطعون فيه، ورواه الليث عن ابن شهاب أنه بلغه أن عمر قال ذلك لأبي بكرة وهذا بلاغ لايعمل عليه، ومع ذلك فليس في حديث عمر أنه قال ذلك لأبي بكرة بعدما جلده وجائز أن يكون قاله قبل الجلد" (1) ·

وحديث أبي بكرة الذي احتج به الجمهور ورده الجصاص ذكره الإمام البخاري في الجامع الصحيح وقدم به لباب شهادة القاذف - وإن لم يخرجه - ورواه الشافعي موصولًا وابن جرير الطبري (2) وجمع ابن حجر العسقلاني مختلف طرقه ومتونه والمصادر التي خرج فيها (3) ·

يدرج المفسر مختلف استنباطاته من آيات الأحكام في مسائل متسلسلة، مبتدئًا بالجلي الظاهر من الأحكام إلى الخفي المبهم مستفيدًا في ذلك من قواعد علم أصول الفقه ·

وقد يوصله التفريع إلى بحث مسائل افتراضية محض أو عرض قضايا خلافية انفرد بها مذهبه وخالف الجمهور، وقد تكون المسائل التي توسع فيها المفسر - وهي بعيدة عما تدل عليها الآية - فروعًا فقهية، وقد تكون مسائل كلامية لاعلاقة لها بالفقه والفروع ·

ففي تفسير قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ·· (4) الآية · قال الجصاص:

"فوجد مخبره على ما أخبر به فيهم، وفيه الدلالة على صحة إمامة الخلفاء الأربعة أيضًا لأن الله استخلفهم ··، ولا يدخل فيهم معاوية لأنه لم يكن مؤمنًا في ذلك الوقت" (1) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت