فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 64

إلي قوم خرجوا محاربين إلى رفقة، فاخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب، فأخذوا وجيء بهم، فسألت من كان الله ابتلاني به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين، لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج، فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون! ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم، ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال خصوصًا في الفتيا والقضاء" (1) ·"

من الآثار الإيجابية للمذهبية عند متقدمي المفسرين، أنها تدفعهم للحرص الشديد على تدعيم المذهب عن طريق الاستدلال والاحتجاج للفروع بما يراه المفسر من براهين ·

وقد يترتب على هذا الأثر تعسف على المخالف كما تؤدي دقة الفهم بالمفسر إلى إنصاف مخالفيه ·

فمن التعسف - في هذا الباب - ما نصادفه في"أحكام القرآن"للجصاص خاصة حملاته على الإمام الشافعي ·

فمثلًا عند تفسير الآية وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم (2) استقصى المنصف مختلف مسائل الخلاف وحررها، ومن جملة ذلك ما نقله الربيع عن الشافعي في الطعام حيث فرق الشافعي بين من كان على ملة أهل الكتاب قبل البعثة ومن انتحلها بعد ذلك، وأمضى حكم الآية على من كان كتابيًا قبل البعثة"ومن دخل عليه إسلام ولم يدن بدين أهل الكتاب فلا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف" (1) ثم عقب الجصاص بقوله:"قال أبو بكر: وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل الكتاب من العرب، ولم يفرق أحد منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو بعده، ولا نعلم أحدًا من السلف أو الخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك فهو منفرد بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل العلم" (2) ·

وما فرعه الجصاص في مسائل الآية، وانتقد فيه الشافعي استطراد إلى مسائل فقهية لاصلة لها بالآية إلا من بعيد: وغرضه وراء ذلك الحرص على الاحتجاج لمذهب أبي حنيفة · وعلى خلاف مادرج عليه الجصاص قد يؤدي الاحتجاج على المسائل الفقهية بالمفسر إلى إنصاف المخالف وترجيح قوله، وهذا ما وقع لأبي عبدالله القرطبي المالكي مرارًا في"الجامع لأحكام القرآن"·

ففي تفسير الآية: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه (3) قال المصنف في المسألة الثانية والثلاثين:

"واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية، بقطع طريق وإخافة سبيل، فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته ·· وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر له ··، قال ابن العربي: وعجبًا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدًا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت