فاختلاف المجتهدين مشروع إذا كان في دائرة الفروع الاجتهادية، ذلك أن الخلاف المذموم هو ما خولف فيه قرآن أو سنة صحيحة أو إجماع أو مافي معنى واحد من هؤلاء ··، ومشروعية اختلاف الأئمة الأعلام إنما ترجع إلى ما كان من الخلاف على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ذلك أنهم إنما اجتمعوا على مسائل الأصول فإنه لم يرو عن صحابي أنه خالف فيها، أما مسائل الفروع فما ليس فيه نص كتاب ولانص سنة فقد اجتمعوا على بعضه واختلفوا في بعضه، فما اجتمعوا عليه ليس لأحد مخالفتهم فيه ·· (1) ·
وقد فهم العلماء والأئمة الذين رفضوا التقليد والمذهبية"الخلاف الرفيع"بين أئمة الاجتهاد الذين تنسب إليهم المذاهب التي يقلدها الناس، وأدركوا أسباب الخلاف فابتعدوا عن تقليد مذهب معين فبالأحرى التعصب له ·
ومن أشهر القدامى الذين تركوا تراثًا في التفسير، وعرفت عنهم دعوتهم إلى عدم الالتزام بمذهب معين في الفروع:
-شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ت 728 هـ ·
-الإمام ابن قيم الجوزية ت 751 هـ ·
-الإمام محمد بن علي الشوكاني ت 1250 هـ ·
عرف ابن تيمية بدعوته في مختلف رسائله إلى عدم الالتزام بمذهب فقهي محدد، مع الحفاظ على حرمة كل مذهب، فهو الذي قال عن تقليد الناس لأحد الأئمة:
"وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولايجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2) ·
وقال أيضًا عن آراء الأئمة الأعلام واجتهاداتهم:
"وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم"فليس حجة لازمة، ولا إجماعًا باتفاق المسلمين، بل ثبت عنهم - رضي الله عنه - أنهم نهوا الناس عن تقليدهم، وأمروا إذا رأوا قولًا في الكتاب والسنة أقوى من قولهم: أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم" (1) ·"
ومما تجب الإشارة إليه أن الشيخ ابن تيمية لم يؤلف تفسيرًا كاملًا للقرآن أو تفسيرًا لآيات الأحكام، بل كان يدرس علم التفسير بدار الحديث السكرية بدمشق ثم تفرغ لتفسير القرآن مكان والده بالجامع الأموي، وكانت دروسه في التفسير تجمع متفرقة ·
قال ابن كثير والنعيمي:"··· درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية ···، وكان درسًا هائلًا حافلًا يعني في البسملة ···، وقد ذكره الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده وكثرة ما استحسنه الحاضرون ··" (2) ·