وقد مال ابن عاشور في ترجيحه إلى أن حكم الربا إنما ينطبق على ربا الجاهلية دون غيره من المعاملات الأخرى · قال عقب ماذكره عن أنواع الربا:
"وعندي أن أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عباس، وأن أحاديث ربا الفضل تحمل على حديث أسامة (إنما الربا في النسيئة) (2) ليجمع بين الحديثين ··، وأن ما راعاه مالك من إبطال ما يفضي إلى تعامل الربا أن صدر من مواقع التهمة رعي حسن، وماعداه إغراق في الاحتياط" (3) ·
واحتج ابن عاشور بما وقع بين معاوية وعبادة بن الصامت حين رأى معاوية أن النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلًا إنما ورد في الدينار المضروب والدرهم المضروب فأنكر عليه عبادة ذلك ورد عليه معاوية (4) · وخلص ابن عاشور في ترجيحه إلى قوله:
"والظاهر أن الآية لم يقصد منها إلا ربا الجاهلية، وأن ماعداه من المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مندرجة في أدلة أخرى" (5) ·
وفي تفسير الشيخ ابن عاشور لآية الاستئذان في سورة النور (6) بين مقصد الشارع من فرض هذا التكليف، ثم عهد إلى بيان الأحكام التفصيلية المستنبطة من الآية، حيث يظهر اختيار ابن عاشور لمذهب مالك وآراء المنتمين إلى هذا المذهب، لكن ابن عاشور لا يتعصب للمذهب الذي يرجحه ·
قال في معنى (تستأنسوا) "··· وهذا كناية لطيفة عن الاستئذان أي أن يستأذن الداخل، أي يطلب إذنًا من شأنه ألاّ يكون معه استيحاش رب المنزل بالداخل، قال ابن وهب: قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان · يريد أنه المراد كناية أو مرادفة فهو من الأنس، وهذا الذي قاله مالك هو القول الفصل · ووقع لابن القاسم في جامع العتبية أن الاستئناس التسليم · قال ابن العربي: وهو بعيد، وقلت: أراد ابن القاسم السلام بقصد الاستئذان ···" (1) ·
وقد يلجأ ابن عاشور إلى كتب الحديث والآثار للاستدلال على فروع المذهب الذي يرجحه، ويكاد يكون تفسيره للعديد من آيات الأحكام بسطًا مستوعبًا للخلاف داخل المذهب المالكي ·
المطلب الثاني
التأليف المدرسي في آيات الأحكام عند المعاصرين
ظهرت جل المؤلفات المعاصرة التي جردت لتفسير آيات الأحكام بالوسط الجامعي، أي أنها ارتبطت بالمقررات والمناهج الجامعية، فقد كانت العديد من مؤسسات التعليم العالي في حاجة إلى هذا النوع من التأليف حتى يكون مدخلًا يسهل على الطلبة التعامل مستقبلًا مع مصادر العلم ·
تبعًا لذلك اتجه بعض أساتذة علم التفسير بهذه الجامعات إلى تنقيح محاضراتهم سنة بعد أخرى وإعدادها للطبع فيما بعد ·
وإذا كان تدريس التفسير سابقًا يخضع للمذهب، فقد كانت المناهج المعاصرة بالجامعات تقتضي التخلص من التعصب للمذهب لذلك جاءت المؤلفات المعاصرة في أحكام القرآن متأثرة