قال البيضاوي في آية الإيلاء (4) :"·· قال الشافعي لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ويؤيده (فإن فاؤوا) أي رجعوا في اليمين بالحنث فإن الله غفور رحيم، للمولى إثم حنثه إذا كفر··، وقال أبو حنيفة الإيلاء في أربعة اشهر فما دونها ·· (5) · وفي قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم (6) قال البيضاوي:"واطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان (من رجالكم) من رجال المسلمين، وهو دليل على اشتراط إسلام الشهود وإليه ذهب عامة العلماء، وقال أبو حنيفة تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض" (7) ·"
وفي تفسير آية القذف (8) قال البيضاوي:"··· ولا يشترط اجتماع الشهود عند الأداء ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة خلافًا لأبي حنيفة، وليكن ضربه أخف من ضربات الزاني لضعف سببه واحتماله ولذلك نقص عدده ولا تقبلوا لهم شهادة أي شهادة كانت لأنه مفترٍ، وقيل شهادتهم في القذف، ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد خلافًا لأبي حنيفة فإن الأمر بالجلد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابًا للشرط لا ترتيب بينهما فيترتبان عليه دفعة، كيف وحاله قبل الحد أسوأ مما بعده (أبدًا) مالم يتب، وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره" (9) ·
هذا، ولانجد في تفسير"أنوار التنزيل"ما يمكن أن يدل على تعصب الإمام البيضاوي لمذهب الشافعي، أو يدل على تكلفه في المسائل الاجتهادية، كما كانت ردوده على مخالفيه - خاصة الأحناف - تلتزم بأدب الاختلاف ·
كان أبو البركات عبدالله بن أحمد النسفي أحد أئمة الفقه ··، برع فيه وصنف الكتب كما كان إمامًا في أصول الفقه وفي التفسير ·
وظهر أثر هذه العلوم الثلاثة في تفسيره الذي سماه"مدارك التنزيل وحقائق التأويل"حيث اهتم المصنف بتتبع أحكام القرآن التي كان يوجه تفسيرها ليفيد المشهور في مذهب الأحناف الذي التزمه ·
قال د· الذهبي بخصوص هذا الجانب من"مدارك التنزيل":
"··· كذلك عند تفسيره لآية من آيات الأحكام نجده يعرض للمذاهب الفقهية التي لها تعلق وارتباط بالآية، ويوجه الأقوال ولكن بدون توسع ··· وهو ينتصر لمذهبه الحنفي ويرد على من خالفه في كثير من الأحيان ··" (1) · والملاحظ أن الإمام النسفي يقتصر في مسائل الخلاف على أقوال الأحناف والشافعية ونادرًا ما يتعرض لرأي المالكية والحنابلة وغيرهم، وتكاد مسائل الأحكام عنده تقتصر على الخلاف بين مذهب أبي حنيفة والشافعي (2) ·
وفي هذين المذهبين أيضًا نجد النسفي حين يعرض للخلاف، يتوسع في بيان مذهبه بذكر المنقول عن أبي حنيفة وعن أعلام مذهبه خاصة أبا يوسف ومحمد بن الحسن، ويتوقف في المقابل عند رأي الإمام الشافعي، وقد يقارن بين مذهبه - القديم أو الجديد - وبين المنقول عن أبي يوسف أو محمد (3) ·
ففي قوله تعالى: لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولاجنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ·· (4) ·
قال:"·· والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين، (حتى"