فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 64

من خلال إكثاره من الاستشهاد بالشعر واحتجاجه باللغة في معرض بيان المعاني والأحكام ·

ويهمنا من الكتاب الجانب المتعلق بالتفسير الفقهي، فالمصنف أحد أعلام علماء المالكية بالأندلس - كما هو واضح من خلال كتب التراجم - فإلى أي حدٍّ أثرت المذهبية في تفسيره؟

تنبغي الإشارة أولًا إلى أن المؤلف أولى آيات الأحكام اهتماما ً خاصًا، لكنه لم يقتصر عليها فحسب، بل حرص على استنباط المسائل من آيات الخبر والقصص والأدب كما هو جلي من خلال"الجامع لأحكام القرآن"لذلك نجد ابن فرحون يصف التفسير بقوله:"··· وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعًا، أسقط منه القصص والتاريخ وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة" (1) ·

وقد وصف المؤلف منهجه في استخراج الأحكام وتتبع المسائل ضمن مقدمته بقوله:

"·· واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكمًا أو حكمين فما زاد مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير والغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكمًا ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل هكذا إلى آخر الكتاب" (2) ·

وقد وفى المصنف بشرطه مما جعله يتوسع في تفسير آيات الأحكام مستعرضًا قضايا الخلاف، وأضحى"الجامع لأحكام القرآن"تبعًا لذلك موسوعة تشريعية متكاملة ·

والمصنف في كلامه عن الخلاف لم يجنح به الالتزام بمذهب المالكية إلى التعصب، بل جعل النصوص قرآنًا وسنة مرآته، فإذا خالف المنقول عن مالك أو المشهور في المذهب نصًا من حديث صحيح أخذ القرطبي بالنص وترك المذهب ·

ففي آية الصيام من سورة البقرة (3) ذكر في المسألة الثانية عشرة ما نقل عن مالك بأن من أكل ناسيًا مفطر يقضي يومه ذلك، وعند غير مالك ليس بمفطر كل من أكل ناسيًا لصومه · ثم عقب القرطبي:

"قلت: وهو الصحيح، وبه قال الجمهور: أن من أكل أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه وأن صومه تام، لحديث أبي هريرة ··" (1) ·

هذا، ولا نكاد نجد في"الجامع لأحكام القرآن"أثرًا للتعصب المذهبي، كما أن صاحب المصنف رحمه الله لم يكن يرى بطلان ما خالف مذهبه، وكثيرًا ما كان يرد على ابن العربي المعافري المالكي فيما ظهر منه تعصبه، ونادرًا ما بدر من أبي عبدالله القرطبي بعض التعريض كقوله في أبي حنيفة - عند تفسير الآية لا تخرجوهن من بيوتهن (2) ·"وهذا كله يرد على الكوفي قوله" (3) ، ومذهب أبي حنيفة في حكم الآية خالف الجمهور وخالف الأحاديث المتعلقة بعدة المتوفى عنها (4) ·

والميزة الرئيسة لتفسير أبي عبدالله لآيات الأحكام هي اهتمامه بالأدلة، وربط الفقه بالدليل، فالملاحظ أنه يتعقب مختلف مسائل الخلاف مع ذكر أدلة كل مذهب، ويقارن بين المذاهب ويتوسع في ذلك ثم ينتهي إلى الترجيح، فيختار من الأقوال ما وافق السنة أو القياس الجلي من غير أن يدفعه التزامه بمذهب مالك إلى التعصب لأقوال المذهب أو التحامل على المخالفين ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت