فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 64

ونقحه وهذبه عندما كان يدرس علم التفسير"بالمدرسة المنصورية"التي أنشأها المنصور قلاوون الصالحي ت 689 هـ (1) ·

وقد اجتمع لأبي حيان من الأسباب مايسر له تصنيف هذا الكتاب الذي جمع فيه - إضافة إلى علمه الواسع - صفوة ما تضمنته التفاسير قبله، وكان تعيينه من قبل الملك محمد الناصر بن قلاوون ت 147 هـ في كرسي التفسير بالمدرسة التي أنشأها أبوه عونًا له في ذلك كما ذكر هو نفسه في مقدمة البحر المحيط (2) ·

تبعًا لما سلف لم يكن غريبًا أن نجد أبا حيان بز أهل زمانه في التفسير، كما استعلى مصنفه على الكثير من التفاسير قبله وبعده (3) ·

ومن ضمن مابرز فيه أبو حيان تفسيره لآيات الأحكام في القرآن، وعلى خلاف العديد من المفسرين خصص مبحثًا في مقدمته تكلم فيه عن منهجه بإسهاب، فذكر عن طريقته في تفسير آيات الأحكام:"··· ثم أشرع في تفسير الآية ··· ناقلًا أقاويل السلف والخلف في فهم معانيها متكلمًا على جليها وخفيها ··· ناقلًا أقاويل الفقهاء الأربعة وغيرهم في الأحكام الشرعية مما فيه تعلق باللفظ القرآني، محيلًا على الدلائل التي في كتب الفقه ··، وكذلك أذكر الدليل إذا كان الحكم غريبًا أو خلاف مشهور ما قال معظم الناس، بادئًا بمقتضى الدليل وما دل عليه ظاهر اللفظ، مرجحًا له لذلك مالم يصد عن الظاهر ما يجب إخراجه به عنه" (4) ·

وقد التزم أبو حيان بالمنهج الذي قرره في بداية التفسير، فكان يستقصي في تفسيره لآيات الأحكام صحيح المنقول عن الصدر الأول وأعلام المفسرين، ثم يجمع مذاهب الأئمة الفقهاء، ولا يقتصر على آراء أئمة المذاهب الأربعة، بل ينقل عن الأوزاعي والليث وغيرهما من أئمة المذاهب السنية المنقرضة وتلاميذ هؤلاء الأئمة مستفيدًا من ألمامه بعلم اللسان آخذًا بما اجتمع عليه جمهور المجتهدين، وكتاب"البحر المحيط"كله شهادة على أن تفسير آيات الأحكام - في المصنفات التي فسرت جميع أي القرآن - بلغ أوجه وذروة سنامه مع أبي حيان الأندلسي، ولاحاجة لإيراد أمثلة طالما أن الكتاب كله يشهد لمصنفه بذلك ·

وأقول هنا ماسبق أن قلته بخصوص"مفاتح الغيب"للرازي: لو قدر"للبحر المحيط"أن تجمع مباحثه في تفسير آيات الأحكام لظهر للناس مصنف كامل في التفسير الفقهي يضاهي أشهر ما ألف في هذا النوع من التفسير · وتبقى الإشارة إلى مسألتين بخصوص أبي حيان الأندلسي:

الأولى: هي أنه لم يعرض لأحكام القرآن في"مسائل"متسلسلة على عادة فقهاء المفسرين، وغلب عوض ذلك تتبع ونقل مختلف المذاهب والأقوال واستعراض أدلة الأحكام ·

المسألة الثانية: هي أن أبا حيان لم يلتزم بمذهب معين في تفسيره لآيات الأحكام رغم ما نقل عن ظاهريته ثم أخذه بمذهب الشافعي حين استقر بمصر ·

وقد كان الشوكاني ت 1250 هـ دقيقًا حين قال في ترجمة مصنف"البحر المحيط":"قال ابن حجر: كان أبو حيان يقول محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه انتهى · ولقد صدق في مقاله، فمذهب الظاهر هو أول الفكر آخر العمل عند من منح الإنصاف ولم يرد على فطرته ما يغيرها عن أصلها، وليس هو مذهب داود الظاهري واتباعه فقط، بل هو مذهب أكابر العلماء المتقيدين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الآن وداود واحد منهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت