وأيضًا فإن الأئمة عليهم رحمة الله يجعلون العربي أضبط من غيره، وذلك أن العرب أميون يعتمدون على الحفظ وعلى الذاكرة، والقلم عندهم متأخر بخلاف الأمم الأخرى، ولهذا تجد بعض الأعاجم ممن دخل الإسلام وكان من أهل الرواية يعتمد على مكتوبه أكثر من محفوظه، وأما العرب فيعتمدون على المحفوظ، ولهذا الضبط لديهم أكثر، وإذا اعتمد غيرهم على محفوظه وقع عنده الوهم والغلط، واعتماد العرب على المحفوظ أضبط، وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد رحمه الله، والحاكم في كتابه معرفة في علوم الحديث، وابن عبد البر رحمه الله. وفي قول شعبة: إن الأشراف لا يكذبون، المراد بهذا: أن العرب تستقبح الكذب ولا تتعمده، ولهذا قل ما يكذبون حتى على الخصوم، ولهذا فإن أبا سفيان حينما كان مشركًا وسئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصفه وذكر ما فيه من حق، فإنهم يستثقلون الكذب. ومن وجه آخر فإن الأشراف وأسياد القوم لا يحبون أن يذكروا بسوء، والكذب في ذلك من أقبح أخلاق أهل السوء، ولو لم يدفعهم إلى ذلك ديانة فيدفعهم إلى ضبط المنقول حب الاستقامة، وحمد الناس وعدم ذمهم والسلامة أيضًا من قدحه، وهذا من القرائن التي يقوي فيها بعض الحفاظ هذا الحديث ويجعل الجهالة في ذلك لا تضر، وهل جهالة خالد بن سارة المخزومي هنا ترتفع أم لا؟
نقول: عند النظر في الجهالة لا بد من النظر إلى وجوه متعددة تدفع الجهالة أو تكون سببًا في رد الحديث لجهالة الراوي ومن ذلك الطبقة، وطبقة خالد بن سارة المخزومي ليست من الطبقات الأولى من متقدمين التابعين. ومن القرائن التي ينظر فيها في أبواب الجهالة: قرينة القربى، وهنا هو قرشي، و جعفر بن خالد بن سارة قرشي مخزومي ومن أسياد قريش والعرب، ويروي في هذا عن عبد الله بن جعفر.