وقد جاء في حديث جرير عليه رضوان الله قال: (كنا نعد الاجتماع للميت ووضع الطعام من النياحة) ، وسيأتي الكلام على هذا الحديث. فهل هذا الحديث يعارض حديث عبد الله بن جعفر في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا) ؟ نقول: صناعة الطعام بعد موت الميت على صورتين: الصورة الأولى: أن يصنع لآل الميت طعامًا وذلك لشغل بالهم وأنفسهم بالحزن على الميت فليس في نفوسهم ما يدفعهم إلى صناعة الطعام، فيدفع الجيران والأقارب والأرحام إلى صناعة الطعام لهم. الصورة الثانية: أن يصنع أهل الميت أو غير أهل الميت طعامًا للناس فيجتمعون، فهذا الموضع شبيه بالوليمة فيدعى لها الناس، والصورة الأولى هي المعنية في حديث عبد الله بن جعفر حينما قال: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) ، ويحمل حديث جرير وسيأتي الكلام عليه وهو معلول أيضًا على صناعة الطعام لمن يقدم إلى العزاء، أو دعوة الناس إلى الغداء أو العشاء في العزاء، وبعضهم يتوسع في هذا فيجعل ذلك صدقة للميت، ويجعلون ذلك على ثلاثة أيام. فالثاني هو البدعة، صناعة الوليمة حتى يجتمع الناس ويتداعى إليه، فيقول: احضر إلى وليمة فلان أو طعام فلان أو عشاءهم فيجتمع الناس، فهذا هو البدعة الذي لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الصورة الأولى فهي مستحبة، وعليها يحمل حديث عبد الله بن جعفر، والذي يظهر لي والله أعلم أن حديث عبد الله بن جعفر حديث مستقيم وله ما يشهد له ويأتي ذلك بعد قليل بإذن الله تعالى.