ومما يؤيد أن هذا الحديث منكر في تفرد أهل الشام عن عبد الله بن عمر في حديثه هذا أن العمل لا يعرف عند أصحاب عبد الله بن عمر في المدينة لا في طبقة أصحابه الأولى، ولا فيما يليها، بل لا يعرف هذا العمل في المدينة ولا في مكة وهو القراءة على القبر، ولو صح ذلك عن عبد الله بن عمر موقوفًا لكان أحرى الناس بنقله هم أهل المدينة ومكة، فانفراد أهل الشام بذلك أمارة على النكارة، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله قال: لا أعلم أحدًا يفعل ذلك إلا أهل الشام، وسئل عن ذلك قال: أهل الشام يفعلونه. والذي يظهر -والله أعلم- أن هذه السنة إنما بدأت عند أهل الشام تلفيقًا من عدة أحاديث: منها: أن الميت يسمع عند القبر. ومنها: حديث عمرو بن العاص: أقيموا عند قبري، أو عند رأسي قدر ما يذبح الجزور وتقطع لحمه، فإني آنس بكم حتى أنظر ماذا أراجع ربي. وكذلك سماع خشخشة النعال. وحديث: (استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل) .وفي قصد النبي صلى الله عليه وسلم للقبور بالسؤال فأخذوا ذلك وولدوا مسألة، ثم عملوا بها، ويظهر أن هذا بدأ من طبقة التابعين في الحمصيين، ثم انتشر في الشام فأصبح سنة مطروقة، ثم تولد وأصبح عملًا سائدًا، وهذا هو الأصل. والخلاصة في هذا الأمر: أنه لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة القراءة عند القبر، ولا تلقين الميت، يعني: الخطاب معه والتحدث معه بتذكيره بشيء مما يفيده في فتنة القبر بذكر الشهادتين، أو بقراءة سور القرآن، أو قول: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، فإن الأدلة في ذلك ضعيفة. ونكتفي بهذا. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[5] للشيخ: (عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)