للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة - ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة على صدق ما جاؤوا به من الله، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، وقوله: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَاكُلُونَ الطَّعَامَ ... } الآية.
وقال البغوي على قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} : أي بلية؛ فالغني فتنة للفقير؛ يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله. والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع. وقال ابن عباس: جعلت بعضَكم بلاءً لبعض؛ لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى. وقيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع؛ وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف وقال: أسلم بعده فيكون له على السابقة والفضل. فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام؛ فذلك افتتان بعضهم ببعض. وهذا قول الكلبي، وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاص بن وائل والنضر بن الحارث؛ وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمارًا وبلالًا وصهيبًا وعامر بن فهير وذويهم قالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟