الصفحة 838 من 952

وهاذه وصية جامعة من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأمة الإسلام: (( احرص على ما ينفعك ) ). ويشمل قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما ينفع في الدنيا وما ينفع في الآخرة، ولكن ما ينفع في الآخرة مُقَدَّم؛ لأنه الذي يبقى نفعه ويُرجَى ثمرتُه على وجه الدوام، بخلاف ما ينفع في الدنيا فإن نفعه محدود وإن كان داخلًا في قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( احرص على ما ينفعك ) ).

والحرص هو: الجد والاجتهاد في تحصيل ذلك، ومن الحرص أن يأخذ الإنسان بالأسباب المُفْضِية المؤدية إلى ما ينفع في الدنيا والآخرة، فإن الحريص على رضوان الله -عز وجل-، على دخول الجنة لا بُدَّ لتكميل حرصه من أخذ أسباب دخول الجنة، كما أن الحريص على منافع الدنيا لا يُحصلِّها إلا بأخذ أسبابها، فكذلك أمور الآخرة لا يتم وصف الإنسان فيها بالحرص إلا إذا أخذ بالأسباب المؤدِّية إلى ما ينفع.

(( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ) ). وهاذا فيه أن الإنسان ينبغي له ألا يَركن إلى جُهده وعملِه وكدِّه وحرصه، بل ينبغي بعد أن يأخذ الأسباب ألا يستند إليها، بل يعلِّق قلبه أولًا وآخرًا بالله جل وعلا، وأن يطلب العَوْن منه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فإنه لا يُحَصِّل الإنسان غرضه ولا يصيب مقصودَه مع تمام الحرص وغاية الجد والاجتهاد إذا لم يكن من الله عونٌ له، فينبغي للعبد أن يستعين الله -عز وجل- في الدقيق والجليل، في الصغير والكبير، في الحقير والعظيم، وإذا كان كذلك فقد جمع سببين من أعظم أسباب إدراك المطلوب، فإنَّ المطالب إنما تُدرك بغاية الحرص مع عظيمِ التوكل والاستعانة بالله -عز وجل- في تحصيلها. فهاتان الجملتان هما وسيلة وسبيل وسبب تحصيل المقاصد والمطالب في الدنيا والآخرة.

(( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت