فأجاب الله -جل وعلا- على هاذا الزعم وكذَّب هاذا القول، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [1] فبَيَّن الله -جل وعلا- أنَّه قد أهلك قبل قارون من هو أكثر منه مالًا وقوةً وسعةً في الدنيا، والإهلاك يدل على أي شيء؟ على عدم الرضا، فدلَّ ذلك على أنَّ ما أُوتيه من المال ليس دليلًا على رضا الله جل وعلا عنه ولا دليلًا على اصطفائه واجتبائه.
وقد استدل قارون بإنعام الله -عز وجل- عليه على أنَّه مرضيٌّ عند الرب -جل وعلا-، فكذَّبته هاذه الآية.
جاء جزء هاذه الآية أيضًا في آية أخرى في سورة الزمر: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} [2] . فالله -جلَّ وعلا- ذكر في هاذه الآية حال الإنسان على وجه العموم: أنَّه إذا مسه الضر ثم بدل الله هاذا الضر بالنعمة لم يكن منه شكر واعتراف بهاذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، بل كان منه جحود واستكبار، فكذَّبه الله -جل وعلا- أيضًا في هاذا الموضع فقال: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} يعني: بل هاذا الذي جرى له من الإنعام فتنة يختبره الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بها وينظر إيمانه وشكره لهاذه النعمة، إيمانه بالله وشكره هاذه النعمة التي أنعم بها عليه.
{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} . قال رحمه الله: (قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب) . هاذا في بيان معنى قوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ} يعني: إنما أُعطيت هاذا، وحَصَّلت هاذا على علم عندي، ما معنى قوله: {عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} ؟
فيه وجهان:
(1) سورة: القصص، الآية (78) .
(2) سورة: الزمر، الآية (49) .