كما أن هاذا الأثر يُستفاد منه أنه إذا كان في القول فتنة وضرر أعظم من المصلحة المرجوة فإنه ينبغي أن يُعرَض عن القول، ولو كان يفوت به بعض المصالح. وقد لَفَتَ ابن القيم -رحمه الله- إلى معنى جيد استفاده من هاذا الأثر ومن أثر ابن مسعود وهو الغيرة على العلم، قال: إن علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أفادا فائدة وهي: وجوب الغيرة على العلم، وهي أن لا يُبذَل العلم لمن لا يستحقه، أو لمن يضعه في غير موضعه، كأن يستفيد منه في التحايل على الشرع، فإن هاذا بذل للعلم في غير موضعه، فالعلم لم يُبذل ولم يتكلم به أهل العلم حتى يستفاد منه استباحة ما حرم الله، والتحَيُّل على أحكام الله، إنما بُذل لتصلح به القلوب، وتستقيم به أحوال الناس، فصيانة العلم بعدم بذله لمن يعجز عن فهمه، أو لمن يستعمله فيما لا يُفِيد بل فيما يضر، هاذا من الغيرة على العلم، وهو من حقوق العلم على حامله.
ثم قال رحمه الله: (وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الصفات، استنكارًا لذلك.)
ابن عباس يُخبر أنه رأى رجلًا انتفض، والانتفاض: هو قريب من الرعشة، وهو الحركة التي تظهر عدم الرضا والاطمئنان للمسموع.