وقد فرح بهاذا الأثر -أثر علي بن أبي طالب، وأثر ابن مسعود وغيره من الآثار كأثر ابن عباس- بعض أهل البدع المنحرفين، كالصوفية الغلاة، والباطنية الفلاسفة، حيث قالوا: إن في الشريعة ما لا يُدرك معناه، وجعلوا ما هم عليه من باطل من تحريف كلام الله وتحريف كلام رسوله وتعطيل الشرائع مستندًا إلى هاذه الأقوال، وهاذه الأقوال ترد وتبطل هاذه الشُبه وهاذه الحُجج التي يحتجون بها؛ لأنهم قالوا في الاحتجاج لما هم عليه من باطل: إنكم لا تدركون ما نحن عليه، ولا نستطيع أن نبين لكم ذلك؛ لأنه إذا بُيِّن لكم ذلك حارت عقولكم وكان لكم فتنة، وكذبتم الله ورسوله، ولذلك لا نخبركم.
هكذا قال الفلاسفة، وهكذا قال غلاة الصوفية، وهكذا قال الباطنية في الاحتجاج على ما معهم من الباطل، ولكن هاذا الخبر وخبر ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يبين أن الممتنع من إخباره أو بيانه ليس قولًا خفي على الناس ولم يدركوه، بل هو قول الله وقول رسوله، ولذلك قال: (أتريدون أن يُكذب الله ورسوله؟) . فليس الأمر مستورًا خفيًّا لا يُدرَك معناه، بل معناه واضح وهو بيان لقول الله وقول رسوله، لكن العِلة لا في القول ولا في المعنى، إنما العلة في الذهن والعقل الذي يسمع هاذا المعنى، فلذلك يُمتنع من بيانه حفظًا له من الفتنة، وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام في مواضع عديدة في احتجاجهم بمثل هاذه الآثار، وبَيَّن أنها من المجملات التي لا تؤيد أقوالهم، بل فيها ما يبطل مزاعمهم.