الصفحة 688 من 952

وهاذا هو الفتنة التي أشار إليها ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما رواه مسلم: (ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) ، أو (إلا كان فتنة لبعضهم) . فالمقصود بالفتنة، هو تكذيب أمر الله، وتكذيب قول الله، وتكذيب قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإن الإنسان يعادي ما يجهل، وقد يضيق عقله عن إدراك أمرٍ فيرده، قد يضيق عقله عن إدراك أمر من الأمور فيرده، لا لأنه مردود في ذاته، ولكن لأن عقله لم يطقه، والشريعة تأتي بما تحار فيه العقول، فإن من الشرع ما لا تدرك العقول غايته وكنهه وحقيقته بل تحار فيه، وهاذا لا يعني أن العقول تحيله؛ لأن المُحال غير المَحار، ما تَحار فيه العقول غير ما تُحيله العقول، فما تَحار فيه العقول الناس فيه متفاوتون، قد يحار فيه شخص ويدركه آخر، أما ما تُحيله العقول فهو الممتنع الذي لا يمكن أن يقبله عقل، فالشريعة تأتي بمحَارَات، لكن لا تأتي بمُحالات، فقوله رحمه الله: (أتريدون أن يُكذب الله ورسوله؟) لا لأن الخبر يتضمن سبب التكذيب، لكن لكون الناظر في الخبر السامع للخبر قصُر فهمه وقصُر إدراكه عن استيعاب هاذا الأمر فرده. وقد سئل ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن قول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [1] ما معنى ذلك؟ فقال للسائل: لو أجبتك لكفرت. ومراده بقوله: لكفرت، أي لكذبت فوقعت في الكفر، وهاذا فيه النظر إلى حال السامع وأنه يختلف الناس في إدراك معاني كلام الله عز وجل.

(1) سورة: الطلاق، الآية (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت