الصفحة 687 من 952

هاذا الأثر عن علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مليءٌ بالحكمة، وهو نظير ما جاء عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حيث قال: ما أنت محدثٌ قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وهاذا الأثر عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يبين لنا أن الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- تلقوا عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقه تبليغ الدين تبليغ الرسالة، فإن الرسل يبلغون رسالات الله، لكن هاذا التبليغ ليس مجرد إلقاء للعلم والبلاغ دون رَوِية ولا حكمة ولا نظر فيما يُلقى وما يُعلم، قال الله -جل وعلا- في وصف سبيل الرسول: {قُلْ هاذه سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة} ٍ [1] . ومن مقتضى البصيرة أن ينظر الإنسان موضع القول الذي يتكلم به: هل هو في محله أو لا؟ هل هو عند أهله أو لا؟ هل قوله مناسب أو لا؟ فعلي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يقول: (حدثوا الناس بما يعرفون) أي بما لا ينكرون، وليس المقصود حدثوهم بما علموه من قبل وكرروا عليهم العلم السابق فقط، بل (بما يعرفون) أي بما لا تنكره عقولهم، كما في حديث ابن مسعود: (ما أنت بِمُحَدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم) يعني لا تدركه عقولهم ولا تفهمه ولا تطيقه (إلا كان لبعضهم فتنة) . فالمقصود بما يعرفون أي: تطيقه عقولهم، وبما لا ينكرون، وهاذا لا شك أنه يختلف باختلاف الناس، فالناس في هاذا الأمر ليسوا على درجة واحدة، فإن أفهامهم وعقولهم ومداركهم تختلف اختلافًا كبيرًا هو في الحقيقة أشد من اختلافهم في ألوَانِهم وأَبْشَارهم وألسنتهم وأجناسهم، إذ إنَّ الناس يختلفون في إدراك المعاني وإدراك الأمور اختلافًا بينًا، ثم علل هاذا التوجيه، أي ذكر علة هاذا التوجيه بقوله: (أتريدون أن يُكذب الله ورسوله؟) .

(1) سورة: يوسف، الآية (108) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت