قال الله تعالى -فيما ذكر المؤلف -رحمه الله- قول الله تعالى-: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [1] أيضًا هاذه كالتي قبلها في نهي الله عز وجل عن الفساد في الأرض، واعلم أن الفساد في الأرض هو كل ما يَحصل به مخالفة الشريعة، والصلاح هو كل ما أمر الله به ورسوله، فمَدَار الصلاح على الاستمساك بالشريعة، والعمل بما جاء عن الله وعن رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومن ترك ذلك لأي عذر من الأعذار إعراضًا وصدودًا فإنه مفسد ليس مصلحًا، وإنما الإصلاح والصلاح التام الكامل في شريعة رب العالمين؛ لأن بها تحصل مصالح الدنيا ومصالح الآخرة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .)
هاذا فيه الإنكار على من اقترح حكمًا غير حكم الله عز وجل، والحكم هنا المراد به الحكم الديني الشرعي {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} لأنه أضاف الحكم إلى الجاهلية، وحكم الجاهلية: هو الحكم المخالف لحكم الله ورسوله. فكل من خالف حكم الله وحكم رسوله فإنه حاكم بالجاهلية، سواء أكان ذلك عن عدم العلم أو عن عدم العمل بالعلم، فَكِلا الأمرين من الجاهلية: من حكم بالجهل فإنه حكم بحكم الجاهلية، ومن حكم بما يخالف علمه، يعني: يعلم أن الصواب في هاذه المسألة كذا، لكن يخالف ذلك إلى غيره، ويعرض عن حكم الله وحكم رسوله، فهاذا أيضًا حكم بحكم الجاهلية، فحكم الجاهلية هو مخالفة حكم الله عز وجل وحكم رسوله، سواء أكان ذلك عن علم أو عن جهل؛ لأن الجاهلية تقدمت معنا في أكثر من مرة، أنها عدم العلم أو عدم العمل بالعلم، هاذا تعريف الجاهلية.
(1) سورة: الأعراف، الآية (56) .