والوعظ هو: تذكيرهم بما يحصل به انزجارهم عن هاذا العمل، والوعظ: هو تذكير فيه ترغيب وترهيب، يعني: تذكير مشوب مخلوط بأي شيء؟ بالترغيب والترهيب.
وقوله: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} هاذا أمر من الله -جل وعلا- لرسوله أن يقول فيهم {فِي أَنْفُسِهِمْ} قيل: إنه سرًّا، يعني: قل بينك وبينهم {قَوْلًا بَلِيغًا} . وقيل {قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ} أي: في شأنهم وفي عملهم وفي ما كان منهم من مخالفة لأمر الله ورسوله وإعراض عن التحاكم إلى الله ورسوله. {قَوْلًا بَلِيغًا} أي: بالغًا ينفذ إلى قلوبهم، ويحصل به الأثر المقصود من الانزجار وترك التحاكم إلى غير الله ورسوله، وترك التحاكم إلى الطاغوت.
هاذا هو معنى هاذه الآيات.
وفي هاذه الآيات بيان لحكم، وهو أن التحاكم لغير الله لا يحصل به الكفر مطلقًا، بل التحاكم إلى الطاغوت، إلى غير الكتاب والسنة من أعمال النفاق، وقد يكون نفاقًا اعتقاديًّا يكفر به صاحبه في الباطن، هاذا إذا أبدى من الأعذار ما هو نظير هاذه الأعذار المذكورة في قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} .
والحكم بغير ما أنزل الله ليس فيه حكم واحد ينتضم جميع صوره، بل هو مما يَحتمل الكفر الأصغر والكفر الأكبر، لكن الأصل في هاذا أنه من أعمال النفاق.
أما من حيث كفر صاحب هاذا الفعل فإنه قد يكفر كفرًا أكبر وقد يكفر كفرًا أصغر:
فمن اعتقد وجوب تحكيم كتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لكنه خالف لهوى، أو شهوة، أو انتصار لخَصم على آخر، فإن هاذا عاصٍ لله ورسوله، لكنه ليس بكافر.
من حكم بغير ما أنزل الله وبغير ما جاء به الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- معتقدًا أنه لا يجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، أو أن التحاكم إلى غير الشريعة أحسن، أو أنه مساوٍ لحكم الله ورسوله؛ فهاذا كافر، ولا خلاف بين العلماء في كفر هاذا الصنف.