ثم بين -جل وعلا- عاقبة من تحاكم إلى غير الله ورسوله حيث قال: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [1] . والذي قدمته أيديهم هو: إرادة التحاكم إلى غير الله -عز وجل-، إرادة التحاكم إلى الطاغوت. {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} . جاؤوك مُرْغَمِين أذلاء صَاغِرين، وهاذا حال كل منافق: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ} يعني: ما أردنا، (إن) هنا نافية {إِن أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} يعني: ما أردنا بهاذا التحاكم إلى غير الله ورسوله إلا الإحسان والتوفيق، الإحسان إلى من؟ قالوا: الإحسان إلى المتخاصمين، والتوفيق بين المتخاصمين، وقيل: الإحسان أي الإحسان على معناه العام والتوفيق بين ما جاءت به النصوص -بين ما جاء عن الله وعن رسوله- وبين ما ألِفُوه وما اقترحته عقولهم من الأقوال والاعتقادات.
ثم قال الله جل وعلا: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [2] . وهاذا فيه الإشارة إلى أي شيء؟ إلى كذبهم في دعواهم، وأن ما في قلوبهم مخالفٌ لما أبدته ألسنتهم. {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [3] . أمره الله -جل وعلا- في حق هؤلاء بثلاثة أشياء: الإعراض عنهم، والوعظ، والقول البليغ.
أما الإعراض عنهم: فهو عدم السَّمَاع لما يُبْدُونه من الأعذار الباردة، التي إنما هي كذب وزور، من قولهم: {إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} .
(1) سورة: النساء، الآية (62) .
(2) سورة: النساء، الآية (63) .
(3) سورة: النساء، الآية (63) .