وقوله: {إِلَى الطَّاغُوتِ} الطاغوت تقدم الكلام عليه، وهو: كل ما يحصل به الطغيان، سواء كان فعلًا أو قولًا أو عَقْدًا، وهنا المراد به: كل مَنْ حَكَمَ بخلاف ما جاء في الكتاب والسنة، فإن كل من حكم بغير الشرع فهو طاغوت، سواء كان الحكم في دقيق الأمر أو جليله، في صغيره أو كبيره، فالطاغوت هنا هو: كل حكم يخالف حكم الله وحكم رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} . يعني: والشأن والحال أنهم مأمورون بأي شيء؟ بأن يكفروا به لا بأن يتبعوه ويلجؤوا إليه ويسيروا إليه، وأين أُمروا بالكفر به؟ أُمروا بالكفر به في قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [1] . فالكفر بالطاغوت يشمل الكفر بكل ما يَحصُل به الطغيان، سواء كان معبودًا أو مخرجًا عن عبادة الله -عز وجل-. {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} أي: يُريد الشيطان بما ألقاه في قلوبهم من الميل إلى التحاكم إلى الطاغوت {أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} . والضلال البعيد يشمل الضلال في الدين والضلال في الدنيا؛ لأنه لا تستقيم أمور الناس بغير حكم الله -عز وجل-، فمهما سَنُّوا من قوانين وشرعوا من تنظيم يريدون به إصلاح الدنيا وهو مخالف لأمر الله، فإنه يفسد به الدين ولا تصلح به الدنيا،، فمن أراد إصلاح دنياه فليصلح دينه، ومن أصلح دينه ظاهرًا وباطنًا لابد أن تَصلُح دنياه، فإن الدين صلاح للمعاش والمعاد.
(1) سورة: البقرة، الآية (256) .