قال -رحمه الله- في هاذا الباب: (باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} [1] .)
{أَلَمْ تَرَ} استفهام هنا ما نوعه؟ استفهام إنكار على هؤلاء الذين جرى منهم هاذا الفعل، وهو مخالفة فِعْلِهم لزَعمِهِم، فهؤلاء زعموا أنهم آمنوا بما أنزل إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما أنزل من قبله، ثم خالفوا هاذا الزعم بما قام في قلوبهم من إرادة التحاكم إلى الطاغوت.
وانظر حيث قال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا} ولم يقل: يتحاكمون، وهاذا يبين أن مجرد الإرادة فيها ما فيها، وسبب للذم والتعجب والإنكار، فكيف بمن تحاكم؟
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وما أنزل إليه: هو القرآن وما جاء به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من السنة: (( ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه ) ).
{وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} . أي الكتب التي تقدمت، ومن لازم الإيمان بكتاب الله وبما جاء به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الإيمان بما جاء قبل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الرسل والكتب.
{يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} ؛ {يَتَحَاكَمُوا} : أي يطلبوا الحكم، والحكم هو الفصل بين المتخاصمين.
(1) سورة: النساء، الآية (60) .